Aden crown flag

Dhow symbol which was incorporated into the Union Jack
to form Aden Colony flag.

Canadian time

 

Founder
Dr. A. Al Sayyari
(Saudi Arabia)


Editors:
Dr. Shihab Ghanem
(UAE)

Ashraf Girgrah, B.A. B.Ed
(Canada)


Design :
Ashraf Girgrah

 

New AC final logo2

Last update June 2020  التحديث الاخير في
Contact address: admin@adencollege.info عنوان الاتصال

المؤسس
الدكتور عبدالله السياري
(السعودية)

أسرة التحرير
الدكتور شهاب غانم
(ألامارات المتحدة)
أشرف جرجره
ب.ع. آداب، ب.ع. تدريس
(كندا)


التصميم
أشرف جرجره

site search by freefind advanced

 

ذكريات وخواطر من المنزل والحارة والمجتمع
د. محمد علي البار
 بعد أن استعرضت مولدي في عدن في بداية الحرب العالمية الثانية،
والحوادث الهامة التي رأيتها في أثناء طفولتي مثل الثورة ضد اليهود
واحراق متاجرهم وبعض مساكنه في عدن عام 1947، ثم المراحل
التعليمية من المرحلة الابتدائية حتى كلية عدن، سأستعرض لكم بعض
الذكريات والخواطر التي أثرت في حياتي في المنزل والحارة والمجتمع
 واذكر وفاة جدي لأمي السيد عبد الله (عبيد) أحمد الصافي حيث لم
يشكو من أي مرض، وذهبت والدتي لزيارته وزيارة اخوتها وبعد
المغرب جئت مع والدي لأخذها فوجدت جدي عبيد جالسا على
قعادة (كرويت) أمام المنزل مطلا على الشارع فسلمنا عليه أنا ووالدي
ثم ذهبت لإحضار أمي، وفي الفجر صحوت على صراخ أمي وبعض
النساء وفهمت أن جدي قد توفي فجأة وفي نفس الليلة، ورغم صغر
سني (ما بين الخامسة والسادسة) فقد حزنت عليه لأنه كان دائما
يلاطفني وكلما أزوره يعطيني روبية كاملة وحلوى اللبن وبعض
الحلويات الهندية الأخرى، التي كانت منتشرة في عدن 
في تلك الفترة قام جدي لوالدي السيد حامد بن علوي البار ببيع منزله
وانتقلنا الى منزل آخر بالايجار في الحارة المجاورة (حارة
الشريف) التي فيها مسجد بانصير، وقد قام والدي بفتح عمل في تجارة
اللبان الذي كان يأتي من الصومال ويصدر الى مصر، وفي تلك الفترة
دخلت المدرسة الابتدائية كما اسلفت وجاء أخي أحمد من دوعن
ليلتحق بالمدرسة الابتدائية في عدن، وحضر حادثة الفوضى وحرق
حوانيت اليهود
وكان والدي يدربنا على حضور تجارة اللبان وكيفية شرائه من
الصومال ثم تصفيته وتمييزه الى درجات ثلاث وتعبئته، ومن ثمَ إرساله
الى مصر، وكان مخزن اللبان هو الدورالسفلي من المنزل الذي
استأجره الوالد وقد قام الوالد رحمه الله بتدريسنا في المنزل كيفية
قراءة القرآن (بدون تجويد) وكان علينا ان نحضر الى المنزل قبل
صلاة المغرب ونصلي سويا ومن ثم نقرأ الورد القرآني مع الوالدة
والأخوات حتى ختمنا المصحف. كما كان يصحبنا الى الصلاة في
المسجد وخاصة في شهر رمضان حيث كان يصلي بالناس إماما عشر
ركعات من صلاة التراويح في مسجد الشيخ عبد الله مع السيد علي
عبد الله الصافي، وهو ابن العلامة السيد عبد الله حامد الصافي الذي
اشتهر بعلم الحديث، ولما كانت الصلاة طويلة كنت أحيانا أنام في
مؤخرة المسجد حتى تتم الصلاة وذات ليلة لم ينبهني أخي فخرجوا
جميعا وأقفل المسجد وأنا نائم وصحوت والمسجد مقفل ومظلم فإرتعبت
 ولكن يبدو أن صراخي جعل أحد عمال المسجد يسمعني ويأتي لفتح
الباب وأنقذني
وكنت أنا وأخي نلعب في الحارة بكرة القدم وغيرها مع أطفال الحارة،
ولم تكن السيارات كثيرة كما كان نظام المرور يسمح باتجاه واحد فقط،
فإذا دخلت سيارة بالاتجاه المعاكس بالخطأ يقف أمامها الأطفال
صائحين نو ان تري .. نو ان تري (ممنوع الدخول) فيطرالسائق إلى
الانسحاب فورا. ولم تكن هناك حوادث تذكر في كل عدن  لانضباط
الناس والمرور وقلة عدد السيارات
 وكان في الحارة أيضا نجار مشهور هو الحاج صالح عوض اشتهر
في صنع البراميل الخشبية الكبيرة التي كانت تجرها الجمال سابقا،
والتي كان يأخذها الورادون الذين يوردون الماء إلى البيوت قبل أن
تقوم البلدية بإصال المياه الى جميع البيوت. وكان الحاج صالح نجارا
ماهرا ورجلا صالحا، وكل صلاته في مسجد بانصير ويحث الأطفال
على الذهاب الى المسجد للصلاة وكثيرا ما يعطيهم بعض الحلويات
تشجيعا لهم، كما كان يصلح بين المتخاصمين وكان له قدرة عجيبة
على الإصلاح
وكنت قد وفرت مبلغا بسيطا من مصروفي اليومي وطلبت من الحاج
صالح أن يصنع لي دولابا صغيرا يمكن قفله لبيع الحلويات، وبالفعل
قمت بذلك المشروع وشجعني على ذلك والدي
 ومن الطرائف التي حدثت في أثناء هذه الفترة أن التجار الصومال
الذين كانوا يبيعون اللبان لوالدي، يضغطون عليه لدفع ما اشتراه منهم
فورا، وفي احدى المرات لم يكن عنده ما يكفي من المال وأراد أن
يخرج من المنزل فلم يكن أمامه إلا أن غير ثيابه المعتادة وهي
القفطان (الثوب) والعمامة وخرج بلباس التنس مرتديا السروال
القصير (الشورت) وفانلة التنس ومضرب التنس وكرة التنس. فظنوه
خالي الذي كان يأتي أحيانا بهذه الصورة  وخرج من بينهم ولما سألوه
أين السيد علي أشار بيده الى المنزل، وخرج من بينهم وذهب للعب
التنس، ولما تأخر تفرقوا
ورغم حرصه على العبادة وقراءة القرآن ولبس العمامة والقفطان
كان أيضا حريصا على الرياضة ولعب التنس، وكان أحد أعضاء
البارزين في نادي التنس العدني، الذي ضم مجموعة من أبناء عدن
ومنهم أخوالي  والمكاوي والبيومي وعبد الله بن صالح المحضار
وخلف حسن علي، ومجموعة أخرى من الهنود والهندوس وانضم بعد
ذلك الى النادي الدكتور سنيل مدير التعليم في عدن بذلك الوقت، وهو
حاصل على شهادة الدكتوراه من بريطانيا، وأحد القليلين من الانجليز
الذين اختلطوا بالعرب
واذكر بينما كان والدي يلعب مع أحد الهندوس في مباراة زوجية، كنت
أنا وأخي أحمد وبجانبنا طفل هندوسي أصغر منا فبدأنا نقل له قل أشهد
أن لا إله الا الله، والولد يأبى ونحن نضغط عليه حتى ننقذه من النار!!؟ 
فلما تمت المباراة أسرع لوالده وأخبره بما جرى، فغضب والدي منا
وقال ما لكم وله ؟ لكم دينكم ولي دين، ولا إكراه في الدين، فقلنا له
نريد أن ننقذه من النار، فقال انقذوا أنفسكم أولا. ومنعنا أن نضغط على
أي أحد  وأكد لنا أن الاسلام لا يكره أحدا على إتباعه
وكان جدي السيد حامد البار يزور عدن من حين الى أخر، وفي إحدى
المرات أمرنا الوالد أنا وأخي أن نذهب لقراءة كتاب بداية الهداية
للامام الغزالي على جدي، وذلك في فترة إجازة مدرسية .. فلما كنا
صغارا في السن لم نفقه شيئا مما هو مكتوب في بداية الهداية، ولم
نستطع أن نكمل الكتاب رغم صغر حجمه، وسمح لنا جدي بالانقطاع
عن القراءة والذهاب الى اللعب
كان والدي يأخذنا لصلاة الجمعة في مسجد العيدروس (وهو أحد أولياء
عدن الكبار المشهورين) ويخطب فيه شيخ علي باحميش مدير مدرسة
بازرعة، وكانت له قدرة على انتقاد الأوضاع الاجتماعية وبعض
المخالفات الدينية التي تحصل في عدن، ويشدد في ذلك. كما كان يزور
المسجد بعض العلماء من حضرموت أثناء مرورهم بعدن، وأذكر وأنا
صغير في سن السادسة (السابعة) تقريبا أنه قد حضر صلاة الجمعة
العلامة الفذ السيد علوي بن طاهر الحداد، وألقى كلمة بعد خطبة
الجمعة، وكان بليغا جدا ولم أفهم منه الا القليل، ولكني أعجبنت
بشخصيته. وقد تولى السيد علوي بن طاهر الافتاء في ولاية جهور في
جنوب ماليزيا، وكانت له شهرة واسعة في شرق أسيا وفي العالم
الاسلامي وبينه وبين السيد رشيد رضا والأمير شكيب أرسلان
والعلامة المجاهد المقدسي أمين الحسيني وغيرهم، مراسلات
وصداقات
وقد حدث أن ألقت البحرية البريطانية في عدن القبض على مهربين
اختتطفوا أطفالا من الحبشة لبيعهم فأنقذوهم وقامت الحكومة اعطاء
القاضي الشرعي السيد الحازمي بعض هؤلاء الأطفال ليرعاهم، ولما
كانت أمي وخالتي قد توفيت أمهما وهما صغيرتان فقد قام جدهم لأمهم
بإعطائهما اثنتان من هؤلاء الحبشيات الشابات  بعد أن رباهما
وعلمهما شيء من  القرآن والدين، وكانت احداهما تسمى زهراء
فكانت من نصيب والدتي  والثانية اسمها جميلة وكانت من نصيب
خالتي فصارت كل واحدة منهما مثل الأم لهما، فلما تزوجت أمي انتقلت
معها أمها زهراء، وكانت تساعد أمي في أعمال البيت وفي تربيتنا،
وكانت بالنسبة لنا جدة، وكان والدي يحترمها كثيرا لتدينها ورعايتها
لزوجته وأولاده . وعلى طريقة الحبشة كانت تقوم أحيانا بالرقص
الحبشي وهي تدعو الله سبحانه وتعالى في أثناء ذلك، وأحيانا تكون
مريضة وتعاني من الحمى الشديدة ولكنها تقوم فجأة وتدعوا الله بهذه
الطريقة وهي تدور حول الغرفة  وتتوسل بالرسول صلى الله عليه
وسلم وآل بيته الكرام  وخاصة آل باعلوي. ومن الغريب أنها كانت
تشفى من مرضها في فترة وجيزة جدا، وفي إحدى المرات بيدها خبطت
على ظهري وهي تصيح يا الله  ببركة آل باعلوي فخفت وكان أخي
يضحك ويقول : أخذوك آل باعلوي 
ومن الطرائف أن كانت لدينا إمرأة افريقية تعمل كمساعدة لوالدتي في
أشغال المنزل اسمها مرجانة، وكان على الصغار دائما ينادوها (يا
أمي مرجانة) ... ولا يبدو أنه كان لها أهل أو أقارب في عدن، وكانت
دائما مقيمة في المنزل .. ولما كانت كبيرة في السن ولم تتزوج قط فقد
أتاحت لها الأساطير الشعبية أن تتخيل أنها متزوجة من أحد الجن
وكان لها ليلة في الاسبوع تصعد الى السطوح وتقفل الباب وتتزين
وتتعطر حتى تلتقي بزوجها من الجن، وكانت الوالدة تشدّد علينا أن لا
نصعد أبدا الى السطوح في تلك الليلة
ويبدو أن هذا الحل في الزواج من أحد الجن قد حلّ بالنسبة لها
الاشكاليات النفسية، التي يمكن أن تحدث في بعض الأحيان من عدم
الزواج، وكان هذا حلا مرضيا للجميع

اللعب في المنزل وخارج المنزل
 كنت أتدرب على لعبة التنس في المنزل ويؤدي ذلك في بعض الأحيان
الى كسر النوافذ الزجاجية، فأواجه  العقوبات لمثل هذا التخريب، وكنا
نلعب الكرة في الشارع مع أولاد الحارة  مكونين فريقين مختلفين، كما
كنا بعد ذلك نذهب الى الطويلة وهي منطقة فيها حديقة جميلة بالاضافة
الى وجود الصهاريج التاريخية الموجودة في عدن. وكان معنا
الأخ (المرحوم) محسن بن عيدروس المحضار ومحسن بن علي
المحضار وصهاريج الطويلة هي من أهم المعالم التاريخية لمدينة
عدن وقد اشتهر اليمنيون الأقدمون ببناء السدود ومصارف المياه
ومن أشهرها سد مأرب
 وقد عثر على صهاريج الطويلة المهندسان البريطانيان بليفير
وكوجلان سنة ١٨٥٦ م. وتقوم الصهاريج بحجز المياه المنحدرة من
الهضبة من خلال شبكات المصارف والسدود والقنوات التي استحدثت
بهدف تنقية المياه من الشوائب والأحجار. وآخر من وصفها الأديب
الرحالة اللبناني أمين الريحاني. الذي قال عنها "وهذه الخزانات من
أجمل الأعمال الهندسية في العالم "!؟
Aden water tanksوتبلغ السعة الإجمالية للصهاريج
حوالى ٢٠ مليون جالون. وأكبر
الصهاريج سعة هو صهريج بليفير
الدائري الذي يتسع لحوالى أربعة
ملايين جالون. وأصغرها سعته
حوالى عشرة آلاف جالون، ويقع
بالقرب من سائلة وادي العيدروس
 وقد تم ترميم أربعة عشر صهريجا
Aden Altaweela gardenوهناك ستة وثلاثون صهريجا لم ترمم
وتصب صهاريج الطويلة بطريق
متدرجة من أعلاها في لحف الجبل
إلى وسطها صهريج كوجلان المربع
والذي يملأ الفراغ بين جبلين في كل
واحد منهما صهريج وهما صهريج
أبي قبة  لوجود قبة مبنية عليه منذ
زمن العثمانيين وصهريج أبي سلسلة
وتصب الصهاريج جميعها في صهريج
بليفير خارج حديقة الطويلة وهو
أكبر الصهاريج
أقامت حكومة عدن أيام الاستعمار حديقة الطويلة حول الصهاريج
وهي معلم سياحي ومتنفس لأهل عدن كريتر، كما أن بها متحفاً أقامته
بريطانيا عام١٩٣٠ م، وهو اليوم مركز للوثائق والصور التاريخية
بمدينة عدن، ولم تكن هذه الصهاريج تمتلئ بالمياه الا نادرا وذلك لقلة
الأمطار في مدينة عدن، وقد حدث ونحن أطفال، أن امتلأت هذه
الصهاريج كلها بالمياه وفاضت
وذهب بنا الوالد مع صديقه السيد عيدروس بن محمد المحضار الى
هذه الصهاريج ومكثنا يوما كاملا نلعب، ثم سبحنا أنا وأخي في أحد
هذه الصهاريج، وتناولنا طعام الغداء في ذلك المكان الجميل والجو
المنعش الذي لا نزال نذكره الى اليوم
وكان الوالد أيضا يأخذنا مع صديقه عيدروس المحضار الى بستان
كمسري مع مجموعة من أصدقائه وأطفالهم، ويقومون بإعداد الغداء
والطبخ، وكنا نشارك معهم ونقضي يوما جميلا وخاصة إذا كان الجو
غائما أو ممطرا مطرا خفيفا
وكنا أيضا نذهب الى ساحل صيرة للعب الكرة، وكثيرا ما كنا نلعبها
حفاة، وقد تصيبنا بعض الأحجار أو الأشواك بعض الإصابات ولا نلتفت
لها
وفي عام 1953 جاء جدي السيد حامد علوي البار وزوجته نور عبد
الله باراس وولده عبد القادر بن حامد البار وأختي الكبيرة (شقيقة أخي
أحمد) علوية والتي ربتها جدتي فانتقلت الأسرة من دوعن الى عدن،
وذهب والدي لاحضار بنت عمه من الحبشة بدرية بن طه البار بعد أن
توفى والدها ووالدتها. ولم يكن من الممكن ايواءهم جميعا في المنزل
الصغير
 وقام الشيخ علي محمد بازرعة صديق جدي باستضافة جدي مع
عائلته الكبيرة في بستانه الكبير الواسع في مدينة الشيخ عثمان، وقد
مكثنا في هذا البستان الجميل عدة أشهر حتى يتم اصلاح وتوظيب بيت
جديد واسع اشتراه الوالد
وفي هذا البستان بركة ماء للسباحة، كنا نسبح فيها وجاء خالي أحمد
وبدأنا القفز من فوق مظلة على المسبح وتبعتنا بدرية التي كانت في
سني تقريبا محاولة القفز، فانزلقت وسقطت وأغمي عليها، ولكن
بفضل الله سبحانه وتعالى كانت غيبوبتها لبضعة دقائق فقط
 وأذكر عندما جاءت بدرية أخذني الوالد وقال لي : هذه يتيمة، فإن
بلغني أنك آذيتها ستعرف ماسيجري لك من عقاب. وكان بالفعل شديدا
جدا وخاصة مع موضوع بدرية. وكنت اذا بدأت في مناوشتها، كما
يحدث بين الأطفال، تهددني بأن تشتكيني الى الوالد، فأسرع بالاعتذار
لها حتى تعفو عني 

البيت في عدن
وكان البيت في عدن حافة القاضي مكونا من ثلاثة أدوار
وسطوح (ريوم جمع ريم) وفي الدور العلوي غرفتان كبيرتان وغرفة
أخرى غير مسقوفة مع صالة، وكانت سكن لجدي وجدتي ووالدي
ووالدتي، وفي الدور الأوسط ثلاث غرف واحدة لأخواتي ولجدة زهراء،
وغرفة لي ولأخي ولعمي عبد القادر ثم انضم الينا عمي محمد الذي
جاء من الحجاز، والثالثة كانت غرفة لاستقبال الضيوف وجلسة
الشاي والدور الأرضي كان مؤجرا لعبد الله خدشي وهو أحد أعضاء
نادي الأهلي البارزين في عدن الذي جعله مجلسا (مبرزا) للقات
والثاني بقالة وسكن لباهديلة (ويسمى كل صاحب بقالة في عدن
الشحاري نسبة إلى الشحر في حضرموت)، والثالث غرفة بحمامها
للسيد المقدي. وكان البيت المجاور لنا يسكنه الفنان سالم بامدهف
وفي نفس الشارع الفنان أحمد بن أحمد قاسم الذي يعتبر أشهر عازفي
العود في عدن والذي درس الموسيقى دراسة جدية في مصر. كما غنى
كثيرا من قصائد الأستاذ لطفي الغنائية والذي كان يسكن في نفس
الشارع من الجهة الثانية
وأمام منزلنا كان هناك أيضا منزلا من دور واحد يسكنه ناجي
السكران، وكان رجلا طيبا ومحبا لعمل الخير، ولكنه للأسف كان
مدمننا للخمر، وكانت زوجته تقفل الباب عليه ولا تسمح له بالدخول
عندما يأتي سكرانا فيضطر أن يبات في الشارع، وفي الصباح تفتح له
الباب، وكان إبنه أحمد ناجي بدأ يظهر بعض المواهب الفنية والعزف
على العود، ثم عمل بعد ذلك بالخطوط العدنية، وبعدها شركة باسكو
الأهلية
وقد استفدنا (أنا وأخي) من وجود عمينا محمد وعبد القادر، حيث كان
عمي محمد مغرما بالأدب وخاصة طه حسين ولا أزال أذكر أنه أعطاني
كتاب "الوعد الحق " (وفيه قصص لأوائل الصحابة الذين أسلموا
وعذبوا وظهر بعد ذلك كفلم سينمائي انتشر انتشارا جيدا) وكتاب "على
هامش السيرة " (وهي سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
لإسلوب أدبي وعصري). وكنت في ذلك الوقت في سن الثالثة عشر
واغرمت بعدها بكتب طه حسين، كما أسلفت سابقا  وأما عمي عبد
القادر فكان مغرما بالشعر خاصة. وأحضر دواوين شوقي وحافظ
ابراهيم والمتنبي وغيرهم التي بدأنا نقرأ فيها ونتذوقها شيئا فشيئا،
وكان يقول الشعر أحيانا

جلسة الشاي
السيد حامد أبو بكر المحضار
كانت وجبة الغداء للرجال ونحن معهم، وأما النساء يأكلون في
غرفتهم الخاصة. وكثيرا ما كان الوالد يستضيف بعض أصدقائه أو
أقاربه للغداء، ثم يبدأون بعد ذلك جلسة الشاي، التي يدار فيها الشاي
على طريقة حضرموت ويستخدمون السماور (جهاز خاص موجود في
بخارة وتركستان ثم انتقل مع هجرة الحضارم الى شرق أسيا ومنها
إلى حضرموت كما هو موجود في تركيا) في جلسة الشاي يتناولون
الأحداث العامة والسياسية كما يكون للشعر والأدب نصيب منها. ومن
أبرز الشخصيات التي كانت تأتي الى جلسة الشاي العلامة السيد حامد
بن أبي بكر المحضار، وهو قد حصل على العالمية من الأزهر وكان
بالإضافة إلى علمه الديني يحفظ الكثير من الأشعار وخاصة شعر
المتنبي وشوقي
وعندما بدأت أقرأ أحمد أمين والذي كتب عن الفرق الاسلامية
المختلفة. كنت أسأل والدي عنها فكان يقول انتظر حتى يأتي عمك
حامد أبو بكر المحضار فإذا جاء قال لي : اسأل عمك حامد الآن.
فيشرح لي من هم المعتزلة وفرقهم والخوارج وفرقهم، وأهل السنة
وفرقهم  والأشاعرة وأقوالهم، والشيعة واختلافاتهم، وذلك في جلسات
متعددة وليس في جلسة واحدة
وكان السيد حامد أبو بكر المحضار له دور سياسي وتولى منصب
وزير الدولة القعيطية فترة قصيرة من الزمن، لكنه اختلف مع
المستشار الانجليزي مستر انجرامس، واضطر للإنسحاب  ثم ذهب إلى
اليمن وعمل فترة مع الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، وكان أئمة
اليمن من العلماء والأدباء ويحضر مجالسهم الأدباء والعلماء
والشعراء
وقد اشتهرت قصيدة نُسبت الى الامام أحمد يهاجم فيها الاشتراكية
عندما أعلنها عبد الناصر لبعدها عن الدين، لقربها من الشيوعية 
ويقول الكثيرون أن الإمام بدأها ثم أتمها السيد حامد المحضار
والشاعر الشامي
وأذكر في مجلس الشاي بعد قيام الثورة المصرية وظهور محمد نجيب
كقائد للثورة، أن نظمَ السيد حامد المحضار قصيدة يحذر فيها نجيب من
زملائه الذين قد ينقلبون عليه، حيث قال : نجيب إحذر ولا تغتر وبالفعل
لم يمضِ الا بعض الوقت حتى انقلب جمال عبد الناصر على نجيب
ووضعه في إقامة جبرية في فيلة صغير عليها حراسة مشددة حتى
مات
واستمر السيد حامد المحضار في حضور هذه الجلسة اذا جاء إلى
عدن، حتى بعد سفر والدي إلى مصر، حيث كان عمي عبد القادر
موجودا، وكان يحضر هذه الجلسة معنا أحد أصدقائي من كلية عدن،
وهو محمد عاصم الذي كان يخاطب السيد حامد المحضار ويقول له يا
زميلي  فيبتسم السيد ويواصل النقاش معه
وقد كتب السيد حامد المحضار ترجمة موجزة عن حياته في كتابه عن
جده " الزعيم السيد الحبيب حسين بن حامد المحضار" (دار
المعرفة 1983 ص 208 -211)  " ولدتُ في 23 ربيع ال’ول
سنة 1323هـ (في قرية القويرة-دوعن) ودرست القرآن الكريم على
يد الشيخ عبد الله بن صالح بلخير، واستأذنت والدي للسفر الى
الحرمين للحج والزيارة ثم للذهاب الى مصر للدراسة في الأزهر فأذن
أبي، فسافرت الى الحرمين في أول شهر ذي
القعدة 1347هـ ، وزرت القبر النبوي الشريف، ودعوت الله أمام
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووجدت في الروضة المباركة
الامام الحبيب عبد الله بن طاهر الحداد، فطلبت منه أن يدعو لي بتيسير
حفظ القرآن وطلبته أن يقرأ الفاتحة في الروضة النبوية لذلك الغرض
فقرأها ودعا لي، وابتدأت الحفظ في الروضة النبوية، ثم توجهت الى
مكة لأداء النسك، وأقمت متنقلا بين مكة وجدة وفيهما حفظت القرآن
كاملا في ثلاثة أشهر والحمد لله
 وبعد ذلك سافرت الى مصر واتصلت بالأزهر وانتسبت إليه في القسم
العالي. وبعد ثلاثة أعوام تقدمت لامتحان شهادة العالمية، وكان أبرز
أساتذتي الذين حضرت دروسهم في الأزهر الامام محمود شلتوت 
وكان رضي الله عنه فذا في معارفه وعمقه وذرابة لسانه ونصوع
بيانه وقوة حجته، وكان بارعا ماهرا في تفسير القرآن بأسلوب لا
يجارى فيه وهو من أجلّ علماء الأصول والجدل، وله نظريات في الفقه
وآراء اجتهادية بالغة الأهمية وحسبنا أن نذكر أن فتاواة الفقهية طبعت
تسع مرات . وكان الأستاذ شلتوت من الشهامة وعلو النفس موضع
تقدير العلماء. ولي مع فضيلته قصة يتجلى فيها كل ما ذكرته من
عظمة الرجل ذلك أنني عندما سجلت رغبتي في الامتحان للعالمية
نصحني كثير من الأخوان من العلماء والطلبة بأن أستعين بعالم قدير
يعينني على مراجعة ما لعله يعرض لي من المواضيع الهامة فالتمست
عالما فلم أجد على كثرتهم من يسعفني لاشتغال كل منهم بمن هو أهم
اليه مني . وكنت في هم بالغ فمر علي الأستاذ شلتوت خارجا من
الأزهر فنهضت اليه وسلمت عليه وقبلت يده والتمست دعاءه . فسألني
عن حالي فقلت له اني بخير ولايهمني الا أنني قد قدمت طلب امتحان
العالمية وسُجلَّ اسمي مع الطلبة الذين سيقدمون للإمتحان ولكنني لم
أجد من أستعين به على مراجعة ما ينبغي مراجعته من أمهات
المسائل . فقال لي في اهتمام بالغ إنني لا أعرف أحداً غير مشغول
وقال وأنا مشغول بمراجعة دروس ابن الشيخ المراغي ولولا ذلك
لأسعفتك . ثم قال لي إنني سأعمل على محاولة الوصول اليك كلما
سنحت لي فرصة. فأخبرني عن مكان بيتك ورقمه فذكرت مكان بيتي
ورقمه وشكرته على تفضله وما كنت، وما كان غيري يتصور أن
الأستاذ الامام شلتوت في مكانته العلمية والاجتماعية وكبريائه وما
عرف به من الترفع يتنازل متكرما متفضلا متواضعا ليجيب رغبة
غريب مثلي، وما راعني الا شلتوت وهو يصل بيتي لأول مرة ثم يتكرر
وصوله وتردده على بيتي طيلة أيام الدراسة لاعداد الامتحان للعالمية
وفي ذلك الوقت فصلت مشيخة الأزهر ما يربو على ستين عالما بايعاز
من القصر وكان بينهم أستاذنا محمود شلتوت فذهبت الى بيته لأول
مرة، وكان مجلسه حافلا بأكابر العلماء وكنت معتزما أن أقدم لفضيلته
هدية متواضعة فبقيت معه حتى انصرف من حوله، فقدّمت اليه هديتي
في ظرف فلم يفتحه وقذف به في وجهي وانتهرني أشد انتهار، وقال
لعن الله علماء السوء الذين يتصرفون بما يوحي الى أمثالك أنه لا
يوجد في علماء مصر من يقدم الفضل لمستحقيه وطالبيه لا يبغون
عليه جزاء ولا شكورا واشتد الأستاذ في التثريب ولم يهدأ حتى أنه
أمرني بمغادرة بيته مطرودا. ولما تريثت محاولا استعطافه رجاء عفوه
غادر بيته فتبعته حتى الشارع وما زلت به استجديه العفو حتى عفا
عني، ثم استقل الترام وأنا واجم حزين أسف، وعدت أدراجي ومعي
ظرفي المشؤوم بكل ما فيه، ولا أخفي أنني أكبرت شلتوت وإن وجه
إليّ ذلك التثريب والتأنيب لحماية احساسه الرفيع، ودخلت الامتحان
وبعد شهرين ظهرت نتيجة الامتحان وكنت من الفائزين والحمد لله
وبعد النجاح غادرت مصر الى حضرموت. وكان والدي لا يزال وزيرا
للسلطنة القعيطية ثم ما لبث أن استقال من الوزارة وقبل السلطان
عمر استقالته. ثم توفي السلطان عمر رحمه الله وافضت السلطنة
القعيطية الى السلطان صالح بن غالب فاستوزرني فبما فرضت
بريطانيا على السلطان صالح المستر انجرامس مستشارا مقيما
لعظمته، واستسلم السلطان لانجرامس جعل همه الأول عزلي عن
وزارة السلطنة القعيطية فعزلني .!؟"
وقد اشتهر أخوه السيد الشاعر حسين بن أبي بكر المحضار شهرة
واسعة بسبب شعره الغنائي الرقيق والذي غنى له كثير من المغنين
المشهورين في حضرموت والسعودية والكويت ودول الخليج الأخرى

الشاعر الصحفي السيد حسين محمد البار1918- 1965
وكان من أبرز شخصيات مجلس الشاي الشاعر الصحفي المحامي
السيد حسين بن محمد الباروسنوجز تاريخ حياته فيما يأتي
ولد في قرية (القرين) من وادي دوعن عام  1918. وتلقى تعليمه
الأول على يد والده العلامة الذي كان له الفضل الكبير في مده
بالمعارف والعلوم وخاصة الفقه الشافعي واللغة العربية وآدابها. وقد
هاجر الى جيبوتي عام 1934 والتحق بمدرسة النجاح العربية
الاسلامية بمعية صهره السيد عبد الرحمن بن عمر البار ومكث فيها
أربعة أعوام حتى 1938. ودرس على يد العلامة الأديب المتفنن
السيد علي بن أبي بكر السقاف الذي حدب عليه وعرفه على الآداب
الحديثة التي كان من أعلامها العقاد والمازني وطه حسين ومحمد
حسين هيكل  والشعراء المعاصرين من أمثال أحمد شوقي وخليل
مطران وحافظ ابراهيم وشعراء المهجر ومجموعة أبوللو. واطلع على
مجلة أبوللو التي كان يصدرها الشاعر أحمد زكي أبو شادي. كما اطلع
على المجلات الأدبية مثل صحيفة الفتح التي أصدرها محب الدين
الخطيب، ومجلة الرسالة التي اصدرها الأستاذ أحمد حسين الزيات
والتي كان يطالعها بشغف  
وقد استفاد من أستاذه ومن القراءة في تلك الكتب والمجلات
والصحف، فتغير أسلوبه الكتابي من الاسلوب القديم الى الاسلوب
الحديث ودرس عنده بالاضافة إلى علوم العربية وآدابها علم المنطق
والأصول. وعاد أدراجه إلى مدينة عدن واشتغل فيها مدرسا للغة
العربية وآدابها في مدرسة الفلاح الأهلية ومكث في عدن لمدة عامين
ثم عاد الى وطنه وقريته القرين (دوعن – حضرموت) بعد قيام الحرب
العالمية الثانية 1940. وفي أثناء بقائه عدن اتصل بالأستاذ الصحفي
الأديب  الشاعر علي محمد لقمان وتوطدت العلاقة بينهما، وقام صديقه
الأستاذ علي محمد لقمان بنشر أول قصيدة للشاعر حسين محمد البار
بعنوان (زفرة) في صحيفة والده فتاة الجزيرة ونذكر منها
نفذت أسهمي فحّطمتُ قوسي
ونبذتُ الهوى وأفرغتُ كأسي
أنا في الحب خائب لم أذق من
كأسه الحلو رشفة المتحسّي
وعمل في دوعن مدرسا في بعض المدارس الأهلية ثم  في مدرسة
الرباط الحكومية. ثم انتقل الى المكلا عام 1952 وعمل رئيسا لتحرير
صحيفة الأخبار الاسبوعية (الحكومية) التي سرعان ما تركها ثم عمل
مراسلا لصحيفة النهضة في عدن. ثم انتقل مرة آخرى الى عدن وعمل
في تحرير صحيفة الجنوب العربي التي كان يملكها السيد أحمد عمر
بافقيه (قريبه من جهة أمه)  بعد صدورها مباشرة عام 1954 والتي
انضم اليها فيما بعد عبد الله باذيب وأخوه علي باذيب . ومكث في عدن
حوالي سنة كاملة. وقد استضافه والدي وسكن في منزله القديم الذي
تحول إلى مكتب، وكان فيه غرف فارغة فسكن فيها، وكان يأتي في
معظم الأيام يتناول الغداء معنا، وتميزت جلسات الشاي بلطفه وعلمه
وأدبه وشعره، وكان يأتي اليها بعض أصدقاء الوالد مثل خلف حسن
علي وكان الشاعر يداعبه بالقصائد الهزلية الساخرة والجميع يضحك
وهذا يدل على ما كان في عدن من السماحة. وآل حسن علي هم من
العجم الذين توطنوا عدن وصاروا من العائلات المرموقة فيها ولم يكن
المذهب الاثنى عشرِي الشيعي حائلا بينهم وبين أهل عدن السنة
الشافعية، ولم يكونوا هم مهتمين بالناحية الدينة المذهبية. وجميع
سكان عدن بأديانهم المختلفة ومذاهبهم المتباينة يعيشون في ود
وإحترام وتبادل للمنافع
وقد قام والدي في تلك الفترة بطبع أول ديوان لقريبه الشاعر حسين بن
محمد البار على نفقته الخاصة بعنوان أغاني الوادي، الذي ظهرت فيه
شاعرية البار وتأثره بشعراء الرومنسية مثل علي محمود طه وزكي
أبو شادي ومجموعة أبوللو كما أن فيها قصائد واقعية تصور حال
المواطن الحضرمي والموظف البائس، وفيها قصائد وطنية وقصائد
دينية متعلقة بمدح النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة في المناسبات
الدينية كالمولد والاسراء والمعراج
ومن قصائده الوطنية قصيدة فلسطين التي يقول فيها
ماذا عن الوطن المقدس في مرابعه السليبة ؟
ماذا عن الشعب الشريد يعيش في دنيا غريبه؟
يشكو إلى الزمن الذي أودى بعزته ذنوبه
يشكو إليه فهل درى ماذا بمهجته الجديبه؟
إنا سئمنا عيشةً بلهاء مجدِبةً رتيبه
عفنا بها لغة الكلام فويح للغةِ المربيه
ولتنطق الأعمال ولتهزُز منابرنا خطيبه
فالسيفُ أبلغ قالةً والفعل أجدر بالمصيبه
أين العزائمُ لا تذيب عنادها أبدا مذيبه؟
والإنطلاقةُ كالشهابِ إذا بدا يرمي لهيبه؟
تخطو إلى الغايات شعبا لا ترى إلا وثوبه؟

ثم عاد الى المكلا وأقام بها، وأخرج للناس صحيفته الرائد عام 1960
بعد صعوبات جمة في طباعتها واخراجها حيث لم تكن هناك مطبعة في
المكلا تطبع الصحف، فاضطر لطبعها في عدن وكانت ترسل اليه
بالطائرة كل اسبوع مما أدى الى ارتفاع كلفتها وزيادة ديونه حتى
توقفت  وكان لسان حال شعبه الذي تآجج في أعماقه الرفض للوجود
الاستعماري. وكانت صحيفة الرائد وصاحبها عرضة للمضايقة من
السلطة الحاكمة يومذاك
 وللبار شعر مطبوع بالاضافة الى ديوانه الذي صدر عام 1954
بعنوان (من أغاني الوادي)  وله ديوان أصداء . وديوان الأغاني وهو
شعر منظوم بالعامية والفصحى . وقد جُمع شعره ونشرته دار
حضرموت للدراسات والنشر بعنوان "الأعمال الشعرية
الكاملة " عام   ألفين واربعة بعد وفاته بأربعين سنة
ومن أمثلة شعره الوجداني قصيدة هل تذكرين 
هل تذكرين حديثَنَا      في روعة الليل البهيمْ ؟
هَمسا كأن خفوتَه         في الليل أنّات السقيمْ
وكأن نجوانا بسيناء     الهوى نجوى الكليمْ
ولنحنُ في الظلماء سر  أو خيالات تهيمْ

وله قصيدة يتحدث فيها عن قريته القرين مطلعها
قريتي مهبط آمالي ومرتاد خيالي   فسحة الدنيا إذا ما ضاق بي رحب
المجال
علمتني كيف أفديها بروحي وبمالي ؟   ما بها إلا جمال ساحر أي جمال
النسيم العاطر السلسال يستهوي النخيلا     فتراه موسعا هاماتها لثما
طويلا

ومن شعره الديني قصيدة رسول الانسانية  ومطلعها
أطلّ ربيعٌ كله النور والبشرُ             يرفُّ بهاء مثلما ابتسم الزهرُ
فحيّ ربيع الكون في ذكرياتِهِ            وسل دافقا وانثر زهورك يا شعرُ
وقف نادبا ما ضيّع العُربُ من عُلا     يرنُّ بسمعِ الدهرِ ما بقي الدهرُ
لباب من المجد اأثيل وتالدٌ               من العز فخرٌ دونه يقصر الفخرُ

وله قصيدة الزهراء عندما زار قبرها في المدينة المنورة قال فيها
تسايَقَ يا زهراءُ شعري ومدمعي      حِيالَ ضريحٍ ليته حَلّ أضلعي
بكيتُ ولو كان البكاءُ بنافعي           لقلت لزوارِ البقيعِ اصرخوا معي
بكيت وكم في الدمع بُرءٌ لمهجةِ       وكم من شفاءٍ فيه للمتوجع
ولكنه لم يُشفِ ما في حشاشتي        من الألم الجمّ الخفيّ المقنعِ

ومن أمثلة شعره الوطني والقومي بالاضافة الى قصيدة فلسطين التي
ذكرناها قصيدة يا بلادي
يا بلادي حَتّامَ في ضيعةِ العمرِ تُصَم الآذانُ عن صيحاتِك
كم رفعنا فيكِ المرير من الشكوى فذابت أصواتُنا في شُكاتِك
كل شيءٍ محيّرٌ فيك للفكرِ مُشِيرٌ إلى عميقِ سُباتِكْ
وقصيدة يوم العروبة ومطلعها
لبيك يا يوم العروبهْ       يا باعِثَ الذّكَرِ الخصيبَهْ
يا باعثَ التاريخ في      الصًوَرِ البعيدة والقريبنَه ْ
صُوَرٌ من الماضي ومن    ساعات حاضرِنا الرهيَبة

وقصيدة بور سعيد الخالدة ومطلعها 
قل للذي رامَ بالعدوان يُذكيها         شعواءَ تأتي على الدنيا وترديها
كفاك ما ذقتَ في دنياكَ تجربة     وحسب ما قلت تضليلاً وتمويها
شريعة الغاب في أقسى مظاهرها     طَفِقتَ بين بني الإنسانِ تحييها

وقصيدة يوم الجزائر التي قال فيها
حَيّوا معي يوم الجزائر         وتلمسوا دم كل ثائر
وأمضُوا مع الأحرار نحو     النور حيث النورُ سافِرْ
حيث الكرامةُ غايةٌ             في ظل تقرير المصائِرْ

الشعر الغنائي
وله الكثير من القصائد التي امتلأت بها دواوينه وغناها الكثير من
الفنانين الحضارم مثل عبد الرب ادريس ويسلم دحي وعلي السقاف و
أبو بكر التوي وابراهيم الصبان وسالم باطرفي ومحمد سالم بن شامخ
وأهمهم دون جدال محمد جمعة خان (1903-1963). فقد ولد محمد
جمعة خان في المكلا من أم دوعنية حضرمية وأبٌ بنجابي هندي من
أصول عربية. وكان والده قائدا موسيقيا للفرقة السلطانية والتحق هو
بهذه الفرقة من سن الخامسة عشر وصار هو رئيسها فيما بعد، وبعد
تقاعده المبّكر كوّن فرقة موسيقية خاصة به وطوّر الأغنية الحضرمية
وكان يجيد العزف على الآلات النحاسية، كما أجاد العزف على العود
والكمنجة إيجادة تامة  وتميز محمد جمعة خان بتذوقه للشعر الفصيح
وقدرته على غنائه ومثاله قصيدة العلامة الصوفي الدمشقي عبد
السلام نابلسي (1641 – 1731) وهي
عيني لغير جمالكم لا تنظر      وسواكمو في خاطري لا يخطرُ
صبرت قلبي عنكمو فأجابني   لا صبر لي لا صبر لي لا أصبرُ
وعندما استقر شاعرنا السيد حسين البار في المكلا توطدت العلاقة
بينه وبين الفنان محمد جمعة خان وصارا صدقين حميمين وغنى له
الفنان محمد جمعة خان العديد من القصائد والأغاني ومثالها
أسلمي يا موطني يأرض عاد
والحقي بالركب فالدنيا طِراد
وغنى له قصيدة
الشعب يوم انتخب    فرحت جميع العرب
كلين صوت وهب     والدهر ذلا غلاب

كما غنى له قصائد قومية مثل
حيوا معي يوم الجزائر    وتلمسوا دم كل ثائر
وقصيدة
يا مصر يا وطن الكمال     يا مهد أحرار الرجال
نصروك في يوم النضال     في يوم معركة القتال
وغنى له قصائد عاطفية مثل
رد قلبي رد قلبي      خلنا نشقى بحبي
ما بغيتك قط جنبي      وانت كن للجميع
وقصيدة
يا غايب عن الاعيان     يا ساكن في الوجدان
وقصيدة
يا حبيبي ويا روحي ويا نور عيني
ايش لي قد جرى للهجر بينك وبيني

وقد عملا معا كمستشارين في الندوة الموسيقية الحضرمية في المكلا
التي تأسست عام 1960
وقد شاهدتُ الشاعر حسين البار الذي استضافه والدي وهو في
غرفتي يعزف العود ويدندن  وكما كان ايضا يجيد العزف على الكمنجة
حسبما ذكره ابنه الأديب الدكتور عبد الله بن حسين البار في كتابه "
حسين بن محمد البار" (مطبعة وحدين الحديثة للأوسفست
 المكلا 2015)!؟

والدي والطب والأطباء
كان والدي رحمه الله يحب الطب والأطباء وله اطلاع محدود على
الطب الشعبي الموروث  وكانت العائلات في عدن تستخدم صبيان
لشراء المقاضي (الحاجات من السوق). لانشغال رب الأسرة للعمل
وانشغال أطفال الأسرة بالدراسة. واستخدام الصبيان كان منتشرا في
الحجاز أيضا
 وكان بعض هؤلاء الأطفال مصابا بالفطريات (نوع من الفطور
foot diseaseوالبكتريا) نتيجة مشيهم حفاة في
المناطق الريفية التي تكثر فيها هذه
الفطور (جمع فطر) وقد اشتهر في
الهند مرض يعرف باسم قدم مادورا
 نسبة الى المنطقة التي أكتشف
فيها هذا المرض لأول مرة
عام 1842  واكتشف بعد ذلك
في المناطق الاستوائية في أسيا
وأفريقيا وجنوب الولايات المتحدة
وهو نادر الحدوث جدا في المناطق الباردة. فقد كان الصبي الذي يعمل
 بمنزلنا مصابا بهذا المرض فأخذه والدي الى صديقه الطبيب الدكتور مزهر مظهر) وبعد فحصه قرر ادخاله المستشفى واجراء عملية تلقدمه
وفي ذلك الوقت في بداية الخمسينات لم يكن هناك علاج متوفر لمثل
هذه الحالات سوى البتر  وفي الوقت الحاضر 2018 توجد عدة
علاجات لهذه الفطور وخاصة إذا لم تصل الى عظام القدم ومع ذلك
تحتاج إلى الجراحة لتنظيف القدم من الفطور وتشعباتها، ثم تعطى
مضادات الفطور بالإضافة إلى المضادات الحيوية. وأما اذا وصل
المرض إلى عظام القدم فلا علاج لها إلا بتر القدم
وقد رفض والدي بتر قدم هذا الصبي المسكين وقرر علاجه بنفسه
وكان يأتي بشمع  العسل وبياض البيض ويضعهم على النار ثم يصب
عليها المرّ والصبر وربما بعض الأدوية الأخرى  وعندما يبرد الخليط
يضع عليه العسل ثم ينظف الجرح ويضع عليه هذا الخليط ويضمده
بالشاش المعقم ويربطه، واستمر على ذلك أكثر من شهر بتبديل
الضماد يوميا. وبفضل الله سبحانه وتعالى شُفيَ الصبي، وهو أمر
مذهل لم يقدّره أحد
وكان صديق والدي الدكتور مزهر يعمل في مستشفى عدن في كريتر
نفسها كما له عيادة خاصة يعمل فيها في المساء، ويداوي جميع
الأمراض. رغم أن تخصصه في طب العيون، ولكنه كان يعمل في
جميع أنواع الجراحات في المستشفى وليس في جراحة العيون فقط
كما أنه كان يعالج جميع الأمراض الاخرى في عيادته الخاصة، ولم
يكن هناك اختصاصيون إلا فيما ندر. وكان على الطبيب أن يعمل في
جميع مجالات الطب
وبما أن جدتي (أم الوالد)  كانت تعاني من الماء الأبيض (الكَتركَت
السّاد) فطلب والدي الدكتور مزهر لزيارتها في المنزل ، فقرر أنه لا بد
من إجراء العملية في المستشفى فرفض الوالد أن تذهب الى
المستشفى وطلب منه أن تُجرى العملية في المنزل في غرفتها 
والعجيب جدا أن الدكتور مزهر وافقه على ذلك، وبالفعل أجرى العملية
في المنزل ومنعها من الحركة مطلقا لمدة اسبوع، ثم بدأت الحركة
البسيطة ومنعها من الركوع والسجود بضعة أشهر. وبفضل الله شفيت
تماما، وبالنظارة الطبية استطاعت أن تبصر إبصارا جيدا. وقد تم ذلك
كله في عام(1954). وكان من شغف والدي بالطب أن تزوج في مصر
أول طبيبة من أسرة آل البار التي هاجر والدها من قبل إلى مصر وهي
الدكتورة فايزة حسن البار
 وأصر والدي على أن يدخل أولاده إلى كلية الطب، وكنت أنا أرغب في
ذلك بينما كان أخي أحمد يرغب في الهندسة، وأقنعه الوالد مع صديقه
سالم أحمد اليافعي أن يدخلا كلية الطب وذلك عام 1958 في القاهرة
ثم قام والدي بإدخال ابنته زينب إلى كلية طب الأزهر في القاهرة 
ولكنه فشل في إدخال ولديه عمر وحسن لأنهما لم يحصلا بالثانوية
على المستوى المطلوب لكلية الطب
وكان له صديق أخر من الأطباء هو الدكتور محمد أحمد، وكان عضوا
للجمعية الماسونية في عدن، وربما لهذا السبب أو لغيره انقطعت
صلته به وعندما استقر في مصر توقف عن تجارة اللبان ورجع الى
هوايته القديمة وهي تربية النحل وانتاج العسل. وبالفعل كان له عدة
مناحل في أرياف مصر وكان عسله متميزا يبيع منه شيئا ويهدي
أصدقائه الكثر الكثير من هذا العسل، وكان ينصح به للتداوي من
بعض الأمراض وعندما أصابتني تقلصات شديدة في المرارة نصح
الأطباء بإزالتها، فرفض الوالد ذلك وطلب مني كثرة استعمال العسل
عدة مرات في اليوم ابتداءا من بعد صلاة الفجر حتى الليل، وبعد
شهرين أعدنا الفحوصات فكانت المرارة سليمة بفضل الله سبحانه
وتعالى وثم فضل التداوي بالعسل

مسجد بانصير
كنا نذهب أنا وأخي مع عمي عبد القادر لصلاة الفجر بمسجد بانصير
المشهور والقريب من المنزل، ثم نذهب مباشرة مع عمي وبعض
أصدقائه إلى البحر في منطقة معجلين وتقع في لحف الجبل بعد ساحل
صيرة مباشرة وفيها الماء عميق، ويصلح للسباحة ثم نعود مباشرة
الى المنزل ونستعد للذهاب للمدرسة المتوسطة ونأخذ معنا الساندويش
وقد حدثت حادثة مؤلمة حيث ذهب أحد الشباب لوحده وهو حامد خليفة
في منطقة معجلين وابتعد داخل البحر وجاءت دومات وغرق رغم أنه
يجيد السباحة. وحزنت عدن حزن كبيرا لفقدانه وهو من عائلة معروفة
مشهورة في عدن
كما حدث أن انحسر بحر صيرة عن حوت كبير ومات على الساحل
وخرج معظم شباب وأطفال عدن لرؤيته. وقد حدث أيام النبي صلى الله
عليه وآله وسلم حادثه مماثلة حيث بعث النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أبا عبيدة ابن الجراح في ثلاثمئة من الصحابة لرصد عير قريش
فأصابتهم مجاعة شديدة ولما اقتربوا من البحر وجدوا حوتا ضخما
فأكلوا منه ثمانية عشر يوما حتى سمنوا ثم أمر أبو عبيدة بوضع
ضلعين من أضلاعه ومر تحتهما رجل راكبا راحلته، كما جلس في
وقب (محجر)عينه أحد الصحابة. وأخذوا من الحوت لحما. ولما وصلوا
المدينة أقرّهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما فعلوه وقال عن
البحر "هو الطهور ماؤوه، والحّلُ ميتته" وأكل من ذلك اللحم المقدد
وقد روى هذا الحديث الامام البخاري والامام مسلم وغيرهما عن جابر
رضي الله عنه وغيره

الشيخ محمد بن سالم البيحاني
Alamah Byahnوكنا نذهب مع عمي (كما اسلفنا) الى
مسجد بانصير لصلاة الفجر. وفي فجر
يوم المولد النبوي تحدث الشيخ محمد
سالم البيحاني (وهو أحد أشهر الخطباء
في عدن والجزيرة العربية) عن هذه
المناسبة وركز حديثه عن السيدة خديجة
رضي الله عنها، وكيف أحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وفدته بمالها ونفسها. وأذكر أن كل الحاضرين كانوا يبكون وهم
يسمعون ما لاقته هذه السيدة النبيلة الكاملة الفاضلة من المشاق
والمتاعب، وهي تعاني الحصار الظالم في شعب بني هاشم حتى ماتت
هي وعمه وكافله والمدافع عنه أبو طالب في عام واحد (السنة
العاشرة للبعثة)، الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم "عام الحزن". وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحبها جدا ويذكرها كثيرا حتى غارت السيدة عائشة رضي الله عنها من كثرة
ذكره لها وقالت : قد أبدلك الله خيرا منها فغضب رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم
وقال : والله ما أبدلني الله خيرا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس
وصدقتني إذ كذبني الناس  وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني
الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء " رواه البخاري في
صحيحه وغيره. كانت السيدة عائشة بعد ذلك تذكر فضائل السيدة
خديجة ومواقفها العظيمة رضي الله عنهما في نصرة رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم وهي التي روت أحاديث فضائلها
وقد ترجمتُ للشيخ البيحاني ترجمة وافية في كتابي عدن لؤلؤة
اليمن (اصدار كنوز المعرفة جدة 2012 ج 1/ص 328 -371)!؟

صلتي بالصحافة
نشر لي أستاذي لطفي جعفر أمان موضوع انشاء "من هو قدوتي" في
إحدى الصحف المحلية عندما كنت في السنة الرابعة الابتدائية، وكان
يفعل ذلك تشجيعا لتلاميذه الصغار
وفي المرحلة الثانوية اتصلت بالأستاذين عبد الله باذيب وأخيه علي
باذيب اللذين كانا يعملان في صحيفة الجنوب العربي، وكانت صحيفة
الجنوب العربي قد اسسها السيد أحمد عمر بافقيه لتكون لسان حال
رابطة أبناء الجنوب العربي)، وقد عمل عبد الله باذيب قبلها في صحيفة
النهضة التي يملكها ويرأس تحريرها الأستاذ عبد الرحمن جرجرة،
والتي كان على صلة وطيدة برابطة الجنوب العربي، بل كان عبد الله
باذيب نفسه وقحطاني الشعبي ومجموعة كبيرة من الكتاب أعضاء في
هذه الرابطة
وقد انتقل الأستاذ عبد الله باذيب من صحيفة النهضة إلى صحيفة
الجنوب العربي، ومكث فيها عدة سنوات ثم انتقل الى صحيفة الفجر
وكان عبد الله باذيب المولود في الشحر 1931 والذي انتقل مع والده
واسرته الكبيرة إلى عدنأحد الطلاب المتمييزين في مدرسة بازرعة
التي درس فيها المرحلتين الابتدائية والمتوسطةوتعلم على يدِ الشيخ
الأزهري العلامة علي باحميش، اللغة العربية وشيئا يسيرا من علوم
القرآن والدين، كما تعلم أيضا على يد العلامة الشيخ محمد سالم
البيحاني وخاصة اللغة العربية والنحو وآدابها وشيئا يسيرا من علوم
القرآن والدين ، ثم انتقل عبد الله باذيب الى المدرسة الحكومية الثانوية
واستمر فيها الى السنة النهائية ولكنه لم يكملها بسبب اضطراره الى
العمل لفقر والده وضيق حاله
 واصدر مع مجموعة الأدباء والأصدقاء مثل عائض باسنيد مجلة
المستقبل الأدبية والفكرية عام 1949 وهو لا يزال طالبا في الثانوية
وعمره آنذاك تسعة عشر عاما فقط
وقامت المجلة بمهاجمة الأدب التقليدي وأدب المشايخ، ورد عليه
الشيخ محمد البيحاني والشيخ علي باحميش، وسفّهوا بعض آراءه
وانتقد عبد الله باذيب الشاعر الأديب الأستاذ محمد عبدو غانم بشدة مع
أنه كان يُعتبر من أفضل شعراء عدن في ذلك الوقت، كما انتقد بشدة
الشاعرعلي محمد لقمان مع أنه كان من رواد الشعر في عدن
وأكثرهم انتاجا ومكانة. وانتصر للأستاذ لطفي وإعتبره رائدا للشعر
الحديث ولكنه بعد مدة انتقده بشدة أيضا
وتميزت مقالات الأستاذ عبد الله باذيب الصحفية بالإسلوب الجميل
والدقة الموضوعية وتأييد الحركة العمالية والحركة النضالية ضد
المستعمر، وكان يعتبر من أبرز الكتاب الذين هاجموا الاستعمار
البريطاني، وكان أخوه الأستاذ علي باذيب يسير على هذا المنوال
وأسلوبهُ أكثر سلاسة كما كان يكتب أحيانا مقالات أدبية
وعندما تعرفت عليهما شجعاني على الكتابة بعد أن عرضت عليهما
بعض المحاولات التي كتبتها  ونشرت مقالات عديدة بإسم مستعار ضد
الاستعمار والمجالات الوطنية وتأييدا للحركة العمالية كما نشرت
مقالين باسمي، أحدهما بعنوان زهير بن أبي سلمة شاعر السلام،
وهو شاعر جاهلي فحل بل ويعتبر أحد أهم شعراء المعلقات السبع
والذي مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف الزبياني اللذين بذلا
أموالهما للإصلاح بين قبيلة عبس وزبيان في الحرب المشؤومة وهي
حرب داحس والغبراء التي دامت ثلاثين سنة بسبب تافه وهو اعتراض
الفرس السابق ليفوز الآخر، فقامت الحرب بين القبيلتين لمدة ثلاثين
عاما حتى كادَ الحيان أن يفنيا. ولهذا مدح زهير بن ابي سلمة صانعي
السلام لجهودهما المباركة وبذلهما الأموال بالصلح بين القبيلتين وقام
زهير بإنشاء قصائد عدة تهاجم الحرب وتدعوا الى السلام، وهو أمر
نادر الحدوث في الشعر العربي بصورة عامة، ولم يظهر عند غيره
بالشعر الجاهلي قط
 وسُرّ بذلك المقال عبد الله باذيب وأخوه علي، وأفردا له صفحة كاملة
باعتباره شعر يدعو الى السلام. وذلك مما تدعوا اليه الحركة
الاشتراكية في ذلك الوقت حركة السلام العالمي
وكتبت مقالا أخرا عن التصوف الاسلامي ورددت فيه على من قال أن
التصوف الاسلامي مأخوذ بكامله من الهندوس والبوذين وأوضحت فيه
أن أصول التصوف راجعة إلى زم الدنيا والاهتمام بالآخرة، وهما
أمران شدّد عليهما القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وذكرت
عددا من أعلام التصوف الاسلامي مثل ابراهيم ابن أدهم وشقيق
البلخي وعبد الله ابن المبارك، والجُنيد وغيرهم. ثم ذكرت كيف دخلتْ
الفلسفة الاستشراقية الى التصوف في أشعار الحلاج والسهروردي
المقتول (الذي قتله صلاح الدين وهو غير السهروردي صاحب عوارف
المعارف وقد حكم الفقهاء بزيغهما واتهما بالزندقة فقتلا . وبالتالي
اعتبرتُ أن الاضافات الفلسفية التي أُغرم بها المستشرقون هي
إضافات خارجة عن التصوف الاسلامي الحقيقي. وقد نشرت هذه
المقالة في صحيفة الجنوب العربي وانا طالب في الثانوية في كلية
عدن
وقد كان عبد الله باذيب وأخوه يشجعاني على قراءة الكتب التي تدعوا
الى الاشتراكية بل والماركسية، وبالفعل قرأت بعض هذه الكتب
وبالذات كتاب رأس المال لكارل ماركس اليهودي والذي لم يقرأه في
ذلك الوقت عبد الله باذيب نفسه
ولما ظهر كتاب معركة الاسلام والرأسمالية والسلام العالمي والاسلام
والعدالة الاجتماعية في الاسلام، وهي من بواكير أعمال سيد قطب
ذهبت بهذه الكتب لمناقشة عبد الله باذيب وأخيه في هذه المواضيعوأن
العدالة الاجتماعية في الاسلام تغنينا عن الماركسية اللينينية فأخذ مني
كتاب معركة الاسلام والرأسمالية لقراءته ثم مناقشته بعد ذلك
ولكنهما ماطلا في ذلك  وحاولت مرارا أن أناقشهما في هذا الموضوع
لكنهما كانا يبتعدان عنه تماما، فاقتنعت أنهما لا يستطيعان المناقشة
بهذا الباب بفترة علاقتي بهما. ثم ذهبت الى القاهرة لدراستي بالطب
وانقطعت صلتي بهما
وقد أثارت مقالات أستاذ عبد الله باذيب الحكومة البريطانية وقدموه الى
المحاكمة بتهمة التحريض على الفوضى والثورة على النظام. فخرج
عدد غفير من الناس الى المحكمة وأحاطوا بها، فاضطر الحاكم
الانجليزي الى اختصار المحاكمة والسماح لعبد الله باذيب بمغادرة عدن
والذهاب الى اليمن الشمالي، وبذلك انتهت هذه المشكلة وذهب عبد الله
باذيب الى صنعاء واستقبله الامام أحمد
ثم اتصل باذيب بالسفارة الروسية في صنعاء والتي كانت تعرف معرفة
جيدة نشاطه واتجاهه الماركسي وشجعته على الذهاب الى روسيا
لدراسة الماركسية دراسة عميقة، وبالفعل ذهب الى روسيا وأجاد
اللغة الروسية وتعمق في الماركسية اللينينية وصار بعد عودته أحد
أهم رواد الماركسية في اليمن بأكمله
وكان له دورٌ كبير في الحركة الشيوعية والحزب الطليعي وتولى
وزارة المعارف ثم وزارة الثقافة في الدولة الماركسية في اليمن
الجنوبي، وأول عمل قام به هو إغلاق المعهد الديني الاسلامي الذي
شيده العلامة الشيخ محمد البيحاني، بعد جهود طويلة، وكان معلما
بارزا في التعليم الديني في الجزيرة العربية
وقد قام عبد الله باذيب بإقفال المعهد ومصادرة ممتلكاته وتحويل المبنى
الى مركز من المراكز الفكر الاشتراكي، وهكذا كان جزاء الشيخ
البيحاني الذي علم باذيب كيف يكتب كتابة صحيحة قوية. وسعى الشيخ
البيحاني أن يخرج من عدن وتوسط له رئيس الجمهورية اليمنية
القاضي الإيرياني لدى الرئيس سالم ربيع علي رئيس الجمهورية
الديمقراطية الشعبية اليمنية الشيوعية الذي سمح للبيحاني بالخروج
من عدن فتوجه الى تعز واستقر فيها وبعد فترة وجيزة توفاه الله
سبحانه وتعالى

الشاعر الملهم الوطني عبد الله هادي سبيت
1920-2007
 تعرفت على الشاعر المرهف والمكافح والمجاهد الأستاذ عبد الله
هادي سبيت لأول مرة عن بعد عندما كان الشاب الصغير محمد صالح
حمدون يغني قصيدته ياشاكي السلاح، في دار سعد التي كانت تتبع
حكومة لحج في ذلك الوقت (عام1955) وكانت الجماهير تذهب من
مستعمرة عدن الى دار سعد المجاورة لها لتحضر هذه الحفلات
الوطنية والتي أججت الثورة في أنحاء الجنوب، والتي أشادت بالثورة
الجزائرية وتضحياتها وبطلتها جميلة بوحيرد، ثم التقيت بعد ذلك
بالشاعر المرهف في القاهرة عندما ذهبت لدراسة الطب، وأعجبت به
أعجابا شديدا لرقته ودماثة خلقه وروحه الوطنية الوثابة وشاعريته
الرقراقة. وتدينه وتقواه وحبه للرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته
ثم التقيته في جدة بعد أن هاجر اليها مع وفد الرابطة التي استقرت
فيها لفترة حتى السبعينات من القرن العشرين، ثم عاد الى عدن ومن
ثم سافر الى تعز واستقر فيها وتزوج وأنجب ابنا  وعانى من شظف
العيش مع عزة نفسه
 وقد كرمته وزارة الثقافة بدرع صنعاء عاصمة الثقافة العربية
وكرمته مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة ومحافظة تعز
 
مولده وبداية حياته
ولد عبدالله هادي سبيت في حوالي 1920 في مدينة الحوطة عاصمة
محافظة لحج. ترعرع وتلقى تعليمه في مدينته، أكمل الإعدادية التي
كانت أعلى مرحلة دراسية في ذلك الوقت ودرس عند شيوخ الدين
القرآن الكريم وشيء من الفقه، وتطلع على الأداب العربية القديمة
والمعاصرة بقراءاته وجلساته مع الأدباء. وقد تأثر بصورة خاصة
بالقمندان الأمير أحمد فضل العبدلي في شعره وأدبه. وعمل مدرساً،
وعُين في دائرة المعارف، وشغل بعض المناصب في سلطنة لحج.  ثم
هرب الى اليمن الشمالي، عندما هاجمت حكومة بريطانيا رابطة أبناء
الجنوب ومنعت السلطان علي عبد الكريم من العودة إلى وطنه وعزلته
عن الحكم وهاجمت اتجاهته الوطنية وثم هاجر إلى مصر كما فعل كثير
من أعضاء الرابطة
شارك في النضال ضد الإستعمار بشعره الوطني الوثاب الذي التفت
حوله الجماهير وغنت أناشيده مع من غناها ومثالها قصيدة  يا شاكي
السلاح 
ياشاكي السلاح شوف الفجر لاح
حط يدك على المدفع زمان الذل راح
هذا الغير سيد وحنا له عبيد
يامن مات يهناله منالقهر استراح
هذا الماء سال، هذا الغصن مال
هذا الزهر يتنسم على ضؤ الصباح
ارضي ، والنبي، ويل للاجنبي
ديني ب يامرني ان احمل السلاح
الى أخر القصيدة

وقد غناها محمد صالح حمدون الشاب الصغير آنذاك، ثم غناها أحمد
يوسف الزبيدي وعبد الكريم توفيق وفضل محمد اللحجي وفيصل علوي
وقد بدأت موهبته في كتابة القصائد الغنائية وصياغة الألحان في
الأربعينيات من القرن العشرين وهو يعد من أكبر الشعراء في لحج
بعد القمندان أحمد فضل العبدلي
وله عدة دواوين شعرية وهي 
الدموع الضاحكة 1953
مع الفجر 1965
الظامئون إلى الحياة
الفلاح والأرض
أناشيد الحياة 1968
مسرحية الوضوء1974
رجوع إلى الله 1987
وقصائده تحتوي على الشعر الوطني والشعر الغزلي والاجتماعي، مع
روح صوفية هفافة ومثال شعره الاجتماعي والغزلي قصيدة بانجناه
وهي تتحدث عن جني القطن الطويل التيلة الذي زرع في لحج وأبين
ضمن مشروع اقتصادي وزراعي، إهتم به السلطان علي عبد الكريم
سلطان لحج والسلطان محمد بن عيدروس ابن سلطان يافع السفلى
والذي قام فيما بعد بحرب وطنية ضد الانجليز
 وقد اهتمت سلطنة أبين بمشروع القطن وكانت هي البادئة فيه وتبعتها
سلطنة لحج ويافع السفلى، وهو أكبر المشاريع الزراعية الناجحة في
المنطقة، والتي أدت الى اقامت محالج قطن كبيرة، وتصدير هذا القطن
الجيد النوعية الى بريطانيا. واستفادت المنطقة وانتعشت أحوالها
وأصبح موسم جني القطن موسما شعبيا وخاصة بعد أن وضع عبد الله
هادي سبيت قصيدته المشهورة بانجناه والتي غناها فضل محمد
اللحجي وعبد الكريم توفيق وأحمد يوسف الزبيدي وفيصل علوي وكان
افضل من غناها الفنان والاذاعي القدير الأستاذ عبد الرحمن باجنيد
رحمه الله  الذي انتقل الى هولندا بعد وصول الحكم الشيوعي وتولى
هو وصديقه محمد عمر بلجون القسم العربي في اذاعة هولندا
 بعض مقاطع هذه القصيدة التي مزجت الاحتفال بجني القطن مع الغزل
الرقيق، مع الاهتمام بمشروع اقتصادي زراعي هام جدا في هذه
المنطقة والذي رفع مستوى المعيشة للمواطنين وأوجد العديد من
فرص العمل
بانجنـــــاه من غصنه / واهـابوي من حسنه / يشفي القلب من حزنه
بانجنى الذهب الأبيض / لا يــــدوَلْ ولا يأرَضْ
الى آخر القصيدة
وهو من الشعراء الغنائيين الذين جدّدوا في الأغنية اليمنية، وتميزت
أشعاره بالنزعة الوطنية ومقارعة الظلم والإستعمار، وإسهاماته
الكبيرة في مرحلة النضال ضد الاستعمار البريطاني في الشطر الجنوبي
من اليمن. ومن خلال قصائده الوطنية التي تغنى بها كبار الفنانين كان
يسهم في تأجيج حماس الجماهير للنضال ضد المستعمر، كما أن له
قصائد عكست مواقفه القومية مع ثورة الجزائر والثورة المصرية
 ساهم في عام 1957 في تأسيس ندوة الموسيقى اللحجية كأول عمل
مدني مؤسسي للإهتمام بالأغنية. وهو إلى جانب كونه شاعرا فإنه
أيضا ملحن موسيقي وقد غنى من ألحانه عدد كبير من الفنانين في
لحج وعدن وتعز
ومن شعره الديني قصيدة : تفكر .. ففي التفكير خير عبادة
سمعنا وصلينا بقلب سما زهدا        الى من أتى بالنور كي يكتب
السعدا
سمعنا وآمنا بما جاء وارتوت         مداركنا حتى انتفعنا به جدا
وعشنا مع المختار ، مع آله مع       الصحابة والأنصار من حفظوا
العهدا
رأينا الذي قد كان منهم وما جرى    وكيف يزيل الصبر ضرا إذا اشتدا
رأينا رجالا إن بدا نور أحمد          وجدت نفوس الكل قد أصبحت جندا
وكم نشروا الرعب المميت لكافر      تخطى حدود الله بالكفر فانهدا
 الى آخر القصيدة الرائعة
هذا ملخص سريع لحياة الشاعر الملهم المناضل والزاهد المتبتل الى
الله عبد الله هادي سبيت رحمه الله رحمة الأبرار

فريد الأطرش في عدن
 قام صاحب السينما الأهلية التاجر حسين خدابخش بدعوة الفنان فريد
الأطرش لزيارة عدن وقبل الدعوة.  وحضر عام 1955 مع أخيه  فؤاد
الاطرش وزوجته إيمان وبصحبة الفرقة الماسية بقيادة المايسترو 
أحمد فؤاد حسن. وخرج  معظم آهالي عدن لحضور حفلات الفنان فريد
الاطرش التي استمرت ثمانية ليالي والتي لم يتسع لها الا ميدان كرة
القدم ميدان الحبيشي
ونزل فريد الاطرش مع فرقته في فندق الصخرة (روك هوتيل) في
التواهي. واستضافه والي عدن هيكمبوثم
وأقام خدابخش لفريد الاطرش حفلا خاصا حضره لفيف من فناني عدن
مثل أحمد بن أحمد قاسم ومحمد عبدو زيدي وخليل محمد خليل و سالم
بامدهف ومجموعة من أعيان مدينة عدن مثل الاستاذ محمد عبده غانم
والاستاذ علي محمد لقمان وغيرهم كثير

الجمعية الماسونية في عدن بنجلة الشيطان  
Masonic bungalowكان مقر الجمعية الماسونية في
عدن فيما يسمى بنجلة الشيطان (بيت
من دور واحد مسقوف بطوب
متدرج)  الواقع في المعلا والذي
أسس في عام 1850م . وقد
صُمّم المحفل حسب الشروط
العقائدية للماسونية، وكان لا
يدخله غير اعضاء، ودون شك
كان للسرية دور في إطلاق أهل عدن عليه ذلك الاسم، فكلمة بنجلة تعني عند سكان عدن البيت (بالهندية) وإضافة اسم الشيطان لها، دليل على ارتباطه بالجرائم السرية
Location of masonic bungalow  وفي شهر صفر، يقال إن الجبرت (عمال
لجمع البراز قبل وجود الصرف الصحي
وهم من أصول حبشية قديمة وتعتبر طبقة
منبوذة) كانوا يقومون بخطف الأطفال أو
أي إمرأة  تمر من قرب هذا المكان
لصالح بنجلة الشيطان، وكانت عدن
في تلك الحقبة قليلة السكان وخاصة
في تلك المنطقة، وتروى حادثة وقعت في فترة الحرب
العالمية الأولى عندما وجد شاب مذبوحاً بالقرب من بنجلة الشيطان
وكانت كل كمية الدم الذي في جسمه قد سحبت منه
وقد روت لي والدتي أن إمرأة كانت تزور بيتنا خطفت في إحدى المرات
وأخذوها إلى بنجلة الشيطان ولكنهم وجدوها هزيلة وتعاني من فقر
الدم (الأنيميا) فلم تعجبهم فأخرجوها وأطلقوها
وكان المحفل في عدن يضم عدداً من اليهود وغيرهم وله رموز عجيبة
Masonic symbolو يحتوي على رسومات واشارات هندسية
 خاصة. وعلى واجهته نجمة داوود، وفي
الخارج، المدخل العام ويدلف منه إلى
الباب الكبير. بعد صعود عدة درجات
وفي الداخل يقع العامود الاول على
اليمين وهو يرمز للشمس، وفي
الجانب الأيسر يقع العمود الثاني
وهو يرمز للقمر، وفي الأعلى مثلث
وهو يعني الحاضر والماضي والمستقبل وفي وسط المثلث يقع شعار الماسونية العالمي الفرجال والمنقلة في حالة التقاء، والثالوث يرمز إلى الولادة والحياة والموت، أما الدرج فهي ترمز إلى ارتقاء الفرد نحو الأخوّة المقدسة 
والغرف لها نوافذ في كل غرفة نافذة ولها حديد حتى يمنع من الدخول
عبرها، أما اللون الذي دهن به المحفل فهو الأبيض الذي يرمز إلى
النور . ومن الداخل يتكون المحفل من عشر غرف مختلفة من حيث
الطول والعرض، وتعد قاعة الاجتماعات هي الأطول، وتوجد بها عدة
صور لرموز وشعارات الماسون، الفواصل خشبية على شكل مربعات
وهو نوع من الهندسة المعمارية ، والأرضية من الأسمنت
 وعندما يعقد الاجتماع يفرش بساط مربعاته تقع ما بين اللون الأسود
والأبيض، أما الكراسي فهي توزع حسب المناصب في المحفل وتوجد
طاولة توضع عليها الكتب المقدسة حسب ظهورها في العالم، التوراة
الإنجيل، القرآن، لأن كل منتسب للمحفل يقسم على الكتاب الذي يتبع
دينه وخلف الطاولة توجد ثلاثة كراسي : الذي في الوسط يجلس عليه
الأستاذ الأعظم، وهو أعلى منصب في المحفل. والكرسي على اليمين
يجلس عليه المساعد الأول، والكرسي الثاني يجلس عليه مساعد آخر
 وقد اختير لمحفل عدن مكانا منعزلا  مرتفعا على سفح الجبل  ويُشاهد
من الجهات الثلاث وهو بالقرب من مقبرة اليهود
ورغم قصص اختطاف الأطفال وغيرهم وأخذ الدماء منهم في هذا
المحفل الا أنه لم تثبت أي قضية من هذه القضايا
وقد تحولت بنجلة الشيطان بعد الاستقلال إلى أحد مقرات الجبهة
القومية التي تحولت الى الشيوعية. وفي بداية الثمانينات من القرن
العشرين تم إزالته وشيد مبنى وزارة التجارة والصناعة بدلاً عنه، ثم
صار مقرا لمحافظ عدن لفترة محدودة (المصدر للكاتب نجمي عبد
المجيد  الانترنت صفحة الأمناء بنجلة الشيطان، بتصرف
دم لفطير صهيون
   ثبتت حوادث كثيرة في التاريخ لقيام اليهود باختطاف بعض
الأشخاص من النصارى واستخدام دمائهم لصناعة فطير عيد الفصح
اليهودي (أو عيد العبور أو عيد الفطير) . مثلما حدث في قضية الأب
توما الكبوجي وخادمه إبراهيم أمارة، في دمشق  بتاريخ
فبراير 1840 التي اعترف فيها الجناة بجريمتهم وصدر الحكم ضدهم
بالاعدام. ولكن مكايد اليهود ونفوذهم السياسي والمالي استطاعوا
انقاذ هؤلاء المجرمين من يد العدالة، ليس ذلك فحسب بل استطاعوا
أن يسدلوا ستار التعتيم على هذه الجريمة البشعة
 ويذكر الشيخ مصطفى الزرقا في مقدمته لكتاب الكنز المرصود أنهم
كانوا يسمعون حوادث كثيرة تحدث في أيامهم في دمشق وغيرها من
المدن السورية . ولكنه كان يظن أن ذلك من الغلو ضد اليهود وأن لا
حقيقة لهذا الأمر، فلما قرأ تفاصيل جرائمهم في الكنز المرصود وقصة
البادري توما  الكبوجي، عرف أن لهذه القصص التي كان يسمعها في
طفولته أصل
وقد ذكر الدكتور حسن ظاظا في كتابه "الفكر الديني اليهودي" حوادث
كثيرة مشابهة لقصة البادري توما الكبوجي، وإن كانت لم تثبت ثبوتها
الجلي الواضح، ومنها اختطاف اليهود للطفل الانجليزي "هيوج" من
مدينة لنكولن بانجلترا عام 1255 في موسم عيد الفصح . وقتل طفل
آخر في لندن سنة 1257 وفي بنورتسهايم بألمانيا سنة 1261، وفي
فورثامبتون سنة 1279، وفي ميونبخ بألمانيا سنة 1287 وفي برن
بسويسرا سنة 1287، وفي كولمار سنة 1292، وفي كريس
سنة 1293.!؟
وآخر هذه الحوادث اختفاء الطفلة "ميا" في فالرياس في
منطقة (فوكلوز) في جنوب فرنسا في 26 مارس سنة 1947 وقد عثر
على الطفلة في اليوم التالي مقتولة ومسحوبا دمها من جروح عملت
في الجبهة واليدين والرجلين. وكانت التهمة منصبّة على اليهود ولكن
الأدلة كانت غير كافية لإدانتهم وعيد الفصح اليهودي (عيد الفطير أو
عيد العبور) هو أهم أعياد اليهود لانهم يزعمون أن الله أخرج بني
اسرائيل من مصر وقتل كل بكر من المصريين ومواشيهم
ويأكل اليهود في هذا العيد الفطير (الخبز الغير المخمر) سبعة أيام ثم
يذبحون شاة ويشون لحمها ويأكلونه قياما مسرعين، ثم أضاف الأحبار
بعد ذلك وضع دم من نصراني أو غيره إلى الفطير الذي يُحتفظ به
ويوزع على جميع معابد اليهود حيث يأكلون منه في ذلك العيد، وهذا
يفسّرعمليات قتل ضحاياهم وسحب الدماء منها بصورة بشعة
واتضحت بعض هذه الحوادث وخاصة في أوروبا في القرن الثالث
عشر وما بعده، وأدّت إلى بعض المجازر لليهود. وآخر هذه الحوادث
المشهورة قصة البادري توما الكبوجي وخادمه إبراهيم أمارة التي
حدثت في دمشق التي ثبتت ثبوتا قطعيا، بإعتراف الجناة بجريمتهم،
وأنهم قاموا بها تنفيذا لتعاليم التلمود، وهم الحاخام موسى أبو العافية
وداود هراري واخوته

الارسالية الدينماركية في عدن 
Denmark church كان بيت الشريف (الرفاعي)  في كريتر
عدن (حافة القاضي – الشريف)، وقد
أُجَّر جزء منه للارسالية الدنماركية
التي اتخذت منه سكنا في الدور
العلوي، وفي الدور الأرضي
مقرا لكنيسة بروتستانتيه بسيطة
وقد حدث حريق في الكنيسة
عام 1965 وغادرت الارسالية عدن بعد هذه الحادثة وانتشار المقاومة المسلحة ضد المحتل البريطاني
ومبنى الارسالية قريب من بيتنا، ويقيمون قُدّاسا صباح كل يوم
أحد (وهو يوم الإجازة الرسمية في ذلك الوقت للمدارس
وغيرها) وكانوا يقدمون لمن يحضر من الأطفال البسكويت والكيك
وبعض العصائر المعلبة، وكنت أحضر هذا الاحتفال
وكان يقوم بهذا القُدّاس القسيس وابنتاه آنا ومرتا، وكان الأطفال
يحضرون من أجل البسكوت والحلويات وأما المراهقون فكانوا
يحضرون من أجل آنا ومرتا. وأذكر أن القسيس كان يبدأ صلاته
بقول " قل هو الله أحد . ثم تتحول مباشرة الى ثلاثة  الله الأب، ويسوع
الابن، والروح القدس. هم ثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة. هكذا يقول
 وكان من المستحيل ان نقبل هذا الكلام الملخبط والغير المنطقي
والذي يرفضه حتى الأطفال كيف يكون واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد 
وعندما سأله أحد الأطفال كيف يمكن أن يكون واحد في ثلاثة وثلاثة
في واحد ؟ أجاب أن هذا سرٌ من أسرار الألوهية والذي لا يعرف غوره
سوى الله نفسه. وهذا أيضا كلام غير مقنع
وكان هذا دافعا لي فيما بعد لدراسة النصرانية واليهودية والكتاب
المقدس دراسة معمقة، مما جعلني أكتب فيها عدة كتب. أصبح بعضها
مراجع في بعض الجامعات لدراسة الكتاب المقدس والأديان المقارنة
ورغم أن بريطانيا احتلت عدن منذ 1839 وكثرت فيها الكنائس
البروتستانتية والكاثوليكية مع تقديم خدمات طبية مجانية في
مستوصفات عدة ومستشفا كبيرا في الشيخ عثمان، إلا أنها لم تنجح
الا في تحويل عدد قليل من الأفراد وعدد أخر من اللقطاء الذين اخذتهم
الكنيسة وهم أطفال رضع. وكانت الخدمات الطبية في المستوصفات
تركز على الأطفال والنساء وذلك لاستقطابهم للكنيسة ويقدمون
خدماتهم بإسلوب ذكي ومعاملة حسنة ومعها جرعات من الدعوة
المسيحية وبعض المنشورات والكتيبات النصرانية
وتتميز الكنائس البروتستانتية ببساطتها وعدم وجود أي تماثيل فيها
وتكتفي بوجود صليب  وأحيانا بصورة يسوع المصلوب. بينما تحتوي
الكنائس الكاثوليكية على العديد من التماثيل مثل  تماثيل مريم ويسوع
بالاضافة الى الصلبان المتعددة وكثرة الزخارف في بناء الكنيسة
وقد قامت الارسالية الدينماركية بإفتتاح مكتبة في شارع الملكة
أروى (شارع اسبلانيد سابقا) وهو أهم شوارع كريتر. وكانت فيها
كتب للبيع ومجالات مختلفة بالاضافة إلى الكتب والمنشورات
المسيحية، التي توزع مجانا أو بسعر رمزي. كما كانوا يقومون
بالاستجابة الى طلبات رواد المكتبة بإحضار كتب خاصة أو مجلات
خاصة من أوربا وأمريكا بسعر معتدل جدا 
وقد عرفتُ بعد أن عدت من مصر وعملت في عدن
كطبيب ( 1965-1968) أحد الأطباء الذين يعملون التبشير وهو
الدكتور فودري الانجليزي الذي عمل في وزارة الصحة كما عمل في
الارسالية الاسكوتلاندية، وتوطدت بيني وبينه المعرفة والصداقة وبدأنا
نتناقش في الكتاب المقدس والأناجيل وإنجيل برنابة الذي أنكر ألوهية
عيسى عليه السلام كما أنكر صلبه، وأن الذي صُلب هو يهوذا
الأسخريوطي الخائن الذي باع يسوع بعدة دراهم (شيكلات) فزعم
فودري أن إنجيل برنابة كتبه أحد القسس الذين فروا من الفاتيكان الى
الدولة العثمانية عندما أسلم  والواقع أن هذا القسيس كان يعمل في
مكتبة الفاتيكان نفسها (روما) وأنه اطلع على هذا الإنجيل الذي أخفته
الكنيسة فأسلم بعد ذلك ونسخه ثم فر الى الدولة العثمانية وأظهره
هناك
والعجيب أن أهل عدن لهم كلمات مميزة فهم يطلقون على ما يسمى
المبشر لفظ المغوّي أي الذي يغوي الناس عن دينهم ويصرفهم عنه
كما أغوى الشيطان أدم عليه السلام . وأطلقوا على مركز الماسونية
في عدن اسم بنجلة الشيطان لأن الشيطان يعمل فيها بقوة
وقد عرفت فيما بعد أن فودري كان مسؤلا عن معهد تخريج الممرضين
في عدن، وفي السنة الأولى يعرض عليهم الدخول في النصرانية وإذا
قبلوا النصرانية يتم ارسالهم الى بريطانيا لدراسة التمريض لمدة ثلاث
سنوات ويعودون كممرضين مُعترفاً بهم دوليا . ومن يرفض الدخول
في النصرانية يكتفى بدراسته سنة واحدة فقط ويتخرج كمساعد
ممرض
وعندما عملت كمدير مستشفى الملكه اليزابيث في عدن، حينما بدأ
الانجليز الهروب من عدن عرفت بعض هؤلاء الممرضين الذين ذهبوا
الى بريطانيا لدراسة التمريض فأخبروني أنهم اضطروا لقبول
النصرانية حتى يحصلوا على المنحة الدراسية ولكنهم في الواقع لم
يكونوا مسيحين أبدا، وللأسف تحول بعضهم الى الماركسية. وعندما
قابلت دكتور فودري مرة أخرى في بريطانيا قلت له أنت حولتهم من
الاسلام الى الماركسية وليس الى المسيحية. وعلى كل حال تحول كثير
من أبناء عدن والمحميات واليمن الشمالي في تلك الفترة الى
الماركسية وفقدوا دينهم وكانوا سببا في المآسي التي حدثت والاقتتال
المتكرر بين الفئات المختلفة من هؤلاء الماركسيين وغيرهم
وعندما كنت في بريطانيا اتصل بي الدكتور فودري ودعاني الى بيته
ولكنه طلب مني أن أحضر مع زوجتي وأن تحضر طعام الغداء العدني
معها وخاصة وجبة  الزربيان المطبوخ من الرز والزعفران
والأبازير(البهارات) واللحم ، لأنه اشتاق الى هذه الوجبة ولم يأكلها
منذ زمن طويل  ففعلنا ذلك . وبعد أن استقرينا في منزله اسمعني
شريطا سجله وهو في منارة ميدان عدن الذي قال أنه سكن فيها ثلاثة
أيام . ويتضمن الشريط آذان الفجر بصوت المؤذن محمود عجينة
الشجي الجميل والذي كان يتلوا قبل الآذان قوله تعالى : {  إِنَّ فِي

خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي
الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا
سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ
وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ
أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ
الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ
إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران :190-194] وكان يدعو بعد هذه
الآيات بدعاء طويل جميل خاشع
وعندما طلبت ان أدخل التواليت وجدته واضعا الكتاب المقدس على
علبة السيفون (الكابينيه) وعندما خرجت قلت له ماذا تفعل اتضع كتابك
المقدس فوق مكان البول والبراز ؟! فقال انا اقعد أقرأ فيه عندما
أتبرز. فضحكت وقلت هذا أفضل مكان تقرأ فيه الكتاب المقدّس !؟
وكنت في أثناء دراستي في بريطانيا وعند زيارتي لكثير من البلدان
الأوربية أذهب إلى مختلف الكنائس الكبرى بما فيها كاتدرائية القديس
بولس في لندن.  ومن الكنائس الهامة كنيسة نوتردام والقلب المقدس
في باريس وكنيسة القديس بطرس في الفاتيكان وهي أكبر الكنائس
الكاثوليكية في العالم . وملحقا بها السستين وفيها الأعمال الفنية
لمايكل أنجلو وروفائيل. وقد رسم مايكل أنجلو على سقف الكنيسة من
الداخل صورة الله على هيئة بشر ضخم كبير وفي يده صورة طبق
الأصل منه وهو آدم . ثم اكتشفتُ بعد أن ذهبت الى اليونان وزرت في
أثينا معابدها (ألأكروبولس وهو تل مرتفع في أثينا ومسكن الآلهة
عندهم)  ان صورة الله التي رسمها مايكل أنجلو هي صورة
زيوس (كبير الآلهة ورب الأرباب) عند اليونان
وقد ذهبت الى الفاتيكان مرة كسائح ومرة ممثلا عن الدكتور عبد الله
ناصيف لمقابلة مندوب البابا ومناقشة موضوع مؤتمر السكان الذي
سيعقد في القاهرة  (1994) وفي تلك المرة أيضا اكرموا الوفد بزيارة
السستين زيارة خاصة ولم يكن معنا غير بعض القساوسة الذين
يشرحون بعض التفاصيل. وكان المفروض أن نقابل البابا ولكنهم
اعتذروا لمرضه وقابلنا نائبه
 والغريب أن السنفونيات المشهورة تُعزف في الكنائس الكبرى وقد
حضرت في كنيسة كبرى في ألمانيا حفلة عزفوا فيها إحدى سنفونيات
بيتهوفن على أكبر أورغن وهو أكبر آلة موسيقية في أوربا، كما
حضرت في كنيسة نوتردام في باريس حفلة عُزفت فيها سنفونية
موزارت والواقع انني لم أتذوق هذه السنفونيات ولا أستطيع أن أدعي
أني تذوقتها في أي يوم من حياتي  ولكني حضرتها للتعرف عليها
وكيف ارتبطت بالكنيسة وأصبحت جزء منها 
نجد ان الكنيسة الكاثوليكية بالذات اعتمدت في اجتذاب الجماهير
والناس على زخرفة كنائسها واستخدام الفنانين والنحاتين ووضع
الكثير من التماثيل الفنية والرسوم الجميلة في داخل تلك الكنائس أو
ملحقاتها كما استخدموا الموسيقى من أعلام الفنانين المشهورين
عندهم لاجتذاب من يهون الموسيقى وخاصة الموسيقى الكلاسيكية
والسيمافونية. وهكذا يقبل الكثير من الناس على هذه الكنائس
لمشاهدت التماثيل واللوحات الفنية ولسماع الموسيقى الراقية، وان
كانوا لا يهتمون بالعقائد المسيحية ذاتها

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكريات وخواطر
د. محمد علي البار
Dr Mohd Ali Al Bar
أنا محمد علي حامد البار. ولدت في مدينة عدن 1939 في 29 ديسمبر، في بداية الحرب العالمية الثانية بين
بريطانيا والحلفاء من جهة وكانت فرنسا كحليف، وألمانيا مع اليابان وايطاليا كدول المحور كأعداء وعدن كانت
مستعمرة بريطانية معرضة لأن تهجم عليها ايطاليا، ولكن في بداية الحرب كانوا مشغولين بأوروبا ذاتها ولم
تستطع بريطانيافي ذلك الوقت ان توفر وسائل للدفاع عن عدن، ولكنها قامت بتدريب  مجموعة من رجال
المحميات على القتال الحديث  واسمتها الليوي  ودربوهم على استخدام مضادات للطائرات، وبالفعل
هجمت الطائرات الايطالية بعدد قليل، واستطاعوا ان يسقطوا طائرتين من طائرات ايطاليا، ثم بعد ذلك استطاعت
بريطانيا ان تأتي بطائرة حربية واحدة فقط، وطلبت من أهل عدن أن يتبرعوا بشراء طائرة أخرى، وبالفعل تبرع
بعض الاغنياء الموجودين في عدن، ومنهم شركة البس الفرنسية تبرعوا بقيمة نصف طائرة حربية استخدمتها
بعد ذلك بريطانيا في الدفاع والهجوم على مراكز ايطالية في الصومال وغيرها
احتلت بريطانيا عدن عام 1839 قبل مئة سنة من ولادتي احتلها الكابتن هينز. كان ضابطا بحريا لدى شركة
الهند الشرقية التي كانت تحكم الهند. ودخلت بريطانيا الهند عام 1602 بأمر مرسوم ملكي من الملكة اليزابث
الاولى، وبدأت احتلال المناطق بالتدريج، واستطاعت هذه الشركة بذكاء أن تتحكم في نصف تجارة العالم .. من
توابل وغيرها، الشاي وغيره، وكانوا يرسلونها من الهند الى بريطانيا ومنها الى بقية ارجاء العالم. دخلت
بريطانيا بالتدريج الى الهند التي كانت تحت حكم المسلمين، المعروفة باسم الدولة التيمورية أو الدولة
المغولية   والدولة التيمورية هي نسبة الى تيمورلينك الذي جاء من تركستان .. بعدها
دخل أولاده الى افغانستان ومن بعدها الى الهند واستولوا عليها، وكانت معظم الهند تحت حكمهم. وكان
المسلمون لهم دور كبير في الثقافة والحضارة ومع هذا كانوا متسامحين مع الهندوس جدا. وكان منهم
الوزراء، وفي الغالب علاقاتهم جيدة. لكن البريطانيين بدأو بالدخول كتجار وأقاموا معاهدات مع الامراء في
المناطق المختلفة تحت امر السلطان نفسه وبالتالي نرى هذه الشركة الذكية جدا بدأت في المتاجرة وتوسعة
المتاجرة وأهم تجارتها الأفيون، والافيون كان موجودا اصلا في الهند، ولكن عملوا على توسعت زراعته
ونشره .. وفي نفس الوقت كانت فرنسا تحتل ما يسمى تايلند وكمبوديا وفيتنام وغيرها، وزرعوا الافيون هناك
وصدروه مع بريطانيا الى الصين، ووقعت ثلاث حروب لنشر تجارة الافيون  و اخذوا من هذه التجارة مليارات
وأكبر تجار الافيون في العالم بريطانيا ثم فرنسا وبعدها الولايات المتحدة، فهذه الدول لم تحارب الافيون الا بعد
ان وصل الى اوروبا والولايات المتحدة ذاتها وعندئذ شعروا بالخطر فأوقفوا تجارة الافيون التي قاموا بها
واستطاعوا بالخداع في الهند ان يستولوا على مناطق كثيرة، فأخذوا يضربوا أمير بأمير، ويضربوا وزير بالملك
بأن يعطوه الوعود بأن يكون السلطان وأن يساعدوه لكي يحارب السلطان، ويمدونه بالاسلحة النارية والمدافع،
واستطاعت هذه الشركة ان تؤسس جيشا كاملا من الهنود بلغ عدده 250 ألف جندي ( أكثر من الدولة
البريطانية نفسها)؟
واستولى الكابتن هينز على عدن في أول سنة تولت فيها الملكة فكتوريا الحكم (1839)، لحساب شركة الهند
الشرقية. بعد ذلك أخذت حكومة بريطانيا تتدخل في شركة الهند وتنظم اعمالها وترتب امورها، لانها اصبحت
دولة داخل الدولة وحكومة داخل الحكومة، ومعها اموال أكثر من الحكومة نفسها، وبالتالي فرضت عليها
الحكومة والبرلمان اشياء كثيرة
 منذ بداية الامر دخلت ملكة بريطانيا كشريك مع الشركة هذه، وبعدها سمحوا للشعب ان يشترك فيها بأسهم،
وبالتالي الجميع مستفيد ولهذا قاموا بدعم هذه الشركة الضخمة
وفي نفس الوقت قامت شركة الهند الهولندية الشرقية، وحاولت ان تحتل مناطق في الهند ولكنها لم تستطع
بسبب ان بريطانيا قد سبقتها، فحاولت أن تحتل مناطق اخرى وخاصة في اندونيسيا، ودخلت في حروب كثيرة مع
المسلمين هناك، واستطاعت ان تحتل بنفس الاسلوب الانكليزي بالخداع والكذب من ناحية، وشراء الذمم
وضرب امير صغير بأمير أكبر، ودعم الصغير هذا بأسلحة جديدة من مدافع وغيرها حتى يستولوا على
اندونيسيا، وقد وجدوا مقاومة شديدة من المسلمين. وكان معظم المقاومين حضارم وسلاطين في اندونيسيا وهذه
من الاشياء العجيبة، وكانت هولندا تهاجم العرب بشكل عنيف دائما، ومنعتهم من الذهاب الى مكةوارسلو
شخصا مستشرقا يسمى سنوك الى مكة ليرى ما هو السبب بانهم يكونوا مع الحكومة الهولندية ويذهبون للحج
ويأتون ضدها. وكانت مكة بالنسبة لهم تجلب المشاكل باستمرار
لم تهتم بريطانيا بعدن اهتماما كبيرا، غير انها مهمة في الطريق الى الهند، وهي موقع استراتيجي هام جدا
وزادت اهميتها بعد فتح قناة السويس .. قبلها كانت سفنهم تضطر الى الابحار حول رأس الرجاء الصالح في
جنوب افريقيا حتى تصل الى الهند، لكن مجرد ان فتحت قناة السويس صار الخط متصلا بين بريطانيا وعدن
مباشرة، وصارت عدن ميناءاً مهما بالنسبة لها، كميناء تجاري وميناء للتزود بالوقود (كان الوقود ايامها الفحم
  حيث لم يكن البترول موجودا) !؟
 وبما ان عدن كانت تابعة للهند والهند تابعة للشركة ، فكانت الفرقة التي هجمت على عدن فرقة كلها من الهنود
 فيها القليل من الضباط الانكليز.  وسمحوا للهنود أن يسكنوا في عدن، فكثر الهنود في عدن بشكل كبير، ومنعت
بريطانيا، خاصة أول الامر، في (الاربعين او الخمسين سنة الاولى) العرب من دخول عدن حتى لو كانوا من أبين
أو لحج أو ما حول عدن من المناطق، فكانوا يأتون بالقوافل وفيها الاكل والميرة ويأخذوا بعض البضائع من
عدن في النهار، وفي الليل يغلقون الابواب ويجب عليهم ان يخرجوا منها اخر النهار. وكان هذا النظام غريبا
فرضته بريطانيا حتى لا تدخل القبائل الى عدن
 في تلك الايام كانت عدن قد وصلت الى درجة من الانحطاط، رغم ان عدن لها تاريخ طويل وهي مدينة قديمة
جدا، ومذكورة بالعهد القديم في سفرحزقيال وغيره، وهي مدينة تاريخية ولها تجارة كبيرة ضخمة، كانت تاتي
البضائع من الهند والصين ومن جزيرة العرب ومن شرق افريقيا وتذهب الى مصر والى سوريا الى الشمال
ومنها مباشرة الى اوروبا، مدينة فيها تجارة كبيرة جدا وكان سكانها مختلطين دائما، أي ليسوا فقط يمنين بل
فيها سكان هنود وصينيون وافارقة وكل الاجناس فيها، ولذلك صار فيها التسامح باستمرار وهي مدينة
متسامحة بالاصل، وسكانها متعايشون، ولانهم تجار في الغالب، ويأتوا من الداخل من حضرموت وغيرها من
المناطق مثل تعز .. لكن عندما دخلت بريطانيا منعت هؤلاء كلهم تقريبا، وكان فيها عدد من اليهود حوالي ألفين
في ذلك الوقت، واشتغلوا جواسيس لبريطانيا.  وكانت عدن تابعة في الاصل لحكومة لحج، حكومة العبادلة
وكانت هذه الحكومة تعد الخطط لاعادة الاستيلاء على عدن من بريطانيا وحاولت ثلاث مرات وفشلت، لان
الكابتن هنس الذي تولى حكم عدن كان ذكيا جدا وكان يعرف اللغة العربية ويفتن بين القبائل، وكان لديه
مخابرات مستمرة، وأغلبهم من اليهود الذين كانوا مستلمين المالية، فكانوا يعطوا المخابرات البريطانية
الاسرار وماذا جرى في قصر السلطان وما هي نواياهم، فكان يستعد ويضربهم، وهي ثلاث محاولات قامت
لتحرير عدن من الانكليز وكلها فشلت وبعدها خضعوا لها ، لكن الاستبداد البريطاني منع اصحاب البلد من
الدخول لعدن والجلوس فيها والاقامة فيها باستمرار، وكانت الاقامة أغلبها هندية، واستمر هذا الحال فترة
طويلة الى بداية القرن العشرين. وكان بعض العرب الذين زاروها، استغربوا جدا وكتبوا في مذكراتهم أن هذه
مدينة هندية وليست مدينة عربية، اللغة الهندية هي الاساس وكانوا يتعاملون باللغة الهندية أو الانكليزية، وهم
مسيطرون على كل أمورها، ولكن في بداية الحرب العالمية الثانية بدأت الهند تطالب بريطانيا بالاستقلال، في
حركة غاندي، وبدأت حركة الاستقلال في الهند تطالب بعدن أيضا باعتبارها جزء من الهند رغم بعدها عن الهند
وتنبهت بريطانيا لمطالبة الهنود بعدن، ومباشرة حوّلت عدن الى وزارة المستعمرات في بريطانيا. وبدأت تحد من
هجرة الهنود الى عدن، وسمحت لابناء المنطقة القريبين، من الشمال ومن حولها وحضرموت بالاقامة في عدن
وكان تجار كثيرون يأتون اليها، وبدأت الحركة التجارية تزدهر، وازداد الازدهار في 1954 لعدة اسباب  السبب
الأول : أن القاعدة البريطانية الكبيرة في مصر في قناة السويس، قد تم اتفاق جمال عبد الناصر مع بريطانيا،
على أن تخرج بريطانيا من قناة السويس، بتشجيع من امريكا، ولكن من حق بريطانيا ان تعود اذا وجدت حرب
بدون اذن من مصر
وخرج عدد كبير من الجنود البريطانيين مع عائلاتهم (حوالي ستين ألف) من قناة السويس الى عدن. فبنيت عدن
بشكل كبير جدا .. بنيت في خور مكسر (التي كان فيها مطار جوي) المدينة البيضاء .. وفي المعلا (التي كانت
ميناء للسفن الشراعية) ردموا البحر، وعملوا شارعا طويلا من أجمل الشوارع وكله بناء متشابه (ثلاثة كيلو
متر متصلة) بنفس الشكل، وهو شارع كبير جدا واسع من الجهتين بناءه متشابه  وكلها سكن للجنود
البريطانيين وعائلاتهم ... وسكن الضباط والمسؤولون السياسيون في منطقة اسمها التواهي حيث انتقلت
الحكومة اليها وصارت مقر الحاكم العام البريطاني في التوّاهي
في فترة الحرب العالمية الثانية هاجرت بعض العائلات (ومنها عائلتي) من النساء والاطفال الى المناطق القريبة من عدن مثل لحج والوهط، التي تبعد عن عدن بحوالي أربعين كيلو متر، وجلسنا هناك حتى هدأت الامور. وكان الوالد يحكي لنا فيما بعد كيف كانوا يشاهدون الطائرات وهي تغيير على عدن، وكيف كانوا يضربونها بمضادات الطائرات وكيف كانت تهرب، ونادرا ما تسقط طائرة ، ففي الحرب كلها سقطت طائرتان ايطاليتان فقط 
 هذه المرحلة الاولى، من 1939 الى 1948 والدي كان موجودا وجدي ايضا كان موجودا السيد حامد علوي
البار كان تاجرا وكان لديه منزلٌ كبيرٌ في عدن وقد بنى هذا البيت من قبل، وامي من بيت الصافي وكان لديهم
تجارة جيدة .. جدي لأمي السيد عبد الله (عبيد)ابن أحمد الصافي، وكان عندهم ايضا منزل كبير في منطقة اسمها
الزعفران، هذه المنطقة كانت مشهورة بتجارة الزعفران قديما، ولها تاريخ طويل
 وكان بيت والدي هو بيت جدي وبعض اعمامي وكان البيت كبيرا وكان الدور الارضي لاستقبال الضيوف  كان
جدي شخصية معروفة وتتمثل فيه ثلاث شخصيات، الشخصية الاولى : انه كان تاجرا من تجار الحضارمة
السادة، وكانت له تجارة في اندونيسيا وسنغفورةوبعدها حوّل تجارته الى الحبشة، وبصفته هذه كان يجمع بعض
الاموال، والشخصية الثانية :كان ينفق على مشاريع المساجد والمدارس
وكان قد اسس مدرسة في مدينته الخريبة في دوعن في حضر موت ، كان ينفق على هذه الاشياء وينفق على
دور العلم المسماة بالاربطة مثل رباط الحبيب علي الحبشي، وكان شيخه  الحبيب علي الحبشي قد اخذه ورباه
منذ كان عمره 12 سنة جلس عنده ثلاث سنوات تقريباومن سن 12 سنة بدأ في صلاة قيام الليل ولم يتركها حتى
مات. وهذه هي شخصيته الثالثة في كثرة العبادة والاتصال بكبار العلماء وحضور مجالسهم حتى كان يعد منهم
رغم انه قليل الكلام، واخذ الفقه والدراسات الدينية والتصوف (الزهد الحقيقي)، وكانت من اهم الكتب عندهم
كتب الامام الغزالي والامام عبد الله الحداد .. وكان جدي مشهورا في هذه المناطق وكان يذهب الى مسجد
العيدروس لان العيدروس من أولياء عدن الكبار المشهورين، ومسجده معروف، وكان يذهب اليه اخر الليل
وكان الناس يتحدثون عن صوت العصا التي يحملها جدي وهو في طريقه، فكانوا يسمعون قرع العصا وهو
يمشي على التلة باتجاه المسجد كل ليلة من الساعة الثانية بعد منتصف الليل، الى ان يصلي الفجر و شروق
الشمس، ثم يعود للمنزل  وبعدها يرتاح قليلا، ويتناول الفطور ومن ثم يبدأ عمله التجاري
وكانت هناك مشكلة بين التجار العرب وحاكم الحبشة  الملك هيلا سلاسي، الذي فرض عليهم الضرائب الشديدة
فلما ذهبوا واشتكوا عنده لم يسمع لهم، ثم عاودوا الذهاب الى الملك هيلا سلاسي وكان جدي يترأس الوفد ولما
رآه الملك قال : اذا كان أحد منكم تقولون انكم سادة وتنتسبون الى بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
فهذا هو السيد حامد البار شكله واضح انه ينتسب الى رسولكم .. فكان شيئا عجيبا جدا أن يقوم ملك نصراني
ليس له معرفة بهذه المواضيع، بمعرفة ان السيد حامد البار ينتسب الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم،
ومباشرة وافق على المقترحات التي قدمها، وخفّض لهم  الضرائب التي كانت عليهم وخرج الوفد التجاري
مسرورين
وكان له دور في الحبشة وأسمرا في عدة مشاريع خيرية ودعوية وغيرها، كذلك كان له نفس الدور في
اندونيسيا. ولكن جدي لم يستمر في عدن، وقرر ان يبيع بيته ولا ادري ما السبب لاني كنت صغيرا انذاك، فباع
البيت وبقى أولاده بعضهم في الحبشة وبعضهم في اماكن اخرى ووالدي كان في عدن فأخذ قرضا من والدته
حتى يبدأ في التجارة لوحده، وبدأ في تجارة اللبان، كان يأخذ اللبان أساسه من الصومال وكانوا ينظفونه
ويرسلونه الى مصر، وكان له سوق طيبة في مصر، وبعد ذلك كان الوالد يذهب الى مصر
 في سنة 1954  قفزت عدن قفزة كبيرة جدا للاسباب التالية
 الاولى : ان اتفاقية قناة السويس التي ذكرناها، وانتقال الجيش البريطاني الى عدن 
والثانية : أن الملكة اليزابيث جاءت الى عدن، (وهي الملكة الوحيدة الان في العالم التي حكمت
من 1952 وهي مستمرة في الحكم الى الآن2018) وهي أكثر واحدة حكمت في التاريخ، طبعا الحكم في
بريطانيا حكم دستوري، والملكة لا تحكم مباشرة، يحكم البرلمان والوزارة، جاءت الى عدن وقامت بثلاث
خطوات 
أولا : فتحت مستشفى الملكة اليزابيث، الذي يتسع لخمسمئة سرير، وفي ذلك الوقت كان أكبر مستشفى في
الجزيرة العربية
ثانيا : عندما استولى مصدّق على الحكم في ايران وطردَ الشاه، أمم صناعة البترول ... وكانت ايران مليئة
بالبترول، وفيها أكبر مصافي بترول في الشرق الاوسط في عبدان، فأممها .. ولم تسكت بريطانيا عن هذا
وعملت مع الولايات المتحدة على احداث انقلاب الجيش الذي أعاد الشاه مرة أخرى وقضى على مصدق
وحكومته، لكن في الفترة هذه اضطروا ان يبنوا مصافي في عدن لكي لا تكون تحت رحمة ايرانوعملوا مصافي
بترول في عدن الصغرى في (البُريقة) وكانت هي أكبر مصافي البترول في الشرق الاوسط في ذلك الوقت
ثالثا : صارت عدن اكبر قاعدة عسكرية بريطانية خارج المملكة المتحدة
هذه الحوادث جعلت عدن تقفز من ميناء محدود الى ثالث اهم ميناء في العالم بعد نيويورك ولندن من ناحية عدد
السفن، وكان ياتي اليها السياح لان التجارة فيها كانت مفتوحة وحرة، فكانت عدن مزدهرة جدا، من
عام 1954
وقد قامت الملكة اليزابيث  اثناء زيارتها الى عدن في 27 أبريل 1954م باعطاء وسام وجائزة لاحد الصيادين
في عدن الذي قام بانقاذ فتاة بريطانية تسبح في ساحل جولدمور(الساحل الذهبي) في التواهي من اسنان القرش
المتوحش فقاتله بالسكين حتى قتله وانقذ الفتاة، كما قامت ملكة بريطانيا باعطاء السيد ابو بكر بن شيخ الكاف
رتبة فارس الامبراطورية (لقب سير) ورفض السيد الكاف أن يجثو على ركبتيه على الارض، عندما تأخذ
الملكة السيف وتمرره فوق كتفه، حسب العادة البريطانية  باعتباره ينتسب الى رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ولا يجوز له ان يجثو بين يدي الملكة بسبب هذا النسب الشريف، وسُمح له بأن يضع ركبته على كرسي
والاخرى واقفة عندما تقوم الملكة بتمرير السيف فوق كتفه .. وهذه أول مرة في التاريخ يتم فيها هذا الاجرء في
تنصيب فارس امبراطورية 
 وقد تم اعطائه هذ اللقب بسبب قيامه بتهدئة القبائل وقيامه بالعديد من المشاريع الخيرية في حضرموت حيث
مهد طريقا من مدينة الشحر الساحلية الى مدينة سيئون في الداخل، وعبّد اكثر من مئتي كيلومتر حتى تصل البضائع، كما قام بافتتاح مدارس ومستشفى على نفقته الخاصة. وكان السيد ابو بكر بن شيخ الكاف صديقا
لجدي السيد حامد بن علوي البار
وحضرت الملكة مباراة استعراضية في التنس في نادي جيم خانة  في كريتر عدن، بين
مستر تيفاري (أحد ابطال التنس في عدن) وعبد الحميد مكاوي بطل التنس في عدن، ومباراة زوجية كان فيها
ااحمد الصافي مع  استاذ الجغرافية في كلية عدن مستر فوكس ضد والدي علي حامد البار مع عبد الحميد
مكاوي (بطل التنس في عدن)، وحضرها جمّع غفير من المسؤولين ووجهاء عدن
وفي عام 1956 جاءت حرب السويس، بعد تأميم جمال عبد الناصرقناة السويس في مصر، وهجمت بريطانيا
هي وفرنسا واسرائيل على مصر ووقف العالم ضد بريطانيا وفرنسا، مع انهم نجحوا من الناحية العسكرية
واحتلوا قناة السويس وماحولها مباشرة. ولكن امريكا نفسها وقفت ضدهم. وقام أيزنهاور رئيس الولايات
المتحدة وزعيم العالم الحر مع روسيا وهي اقوى ثاني دولة في العالم باصدار انذار لفرنسا وبريطانيا واسرائيل أن يوقفوا القتال  وينسحبوا فورا من قناة السويس، فاضطروا للانسحاب وكانت هزيمة كبرى لبريطانيا وفرنسا
وكان رئيس وزراء  بريطانيا مستر ايدن قد اصيب بحالة نفسية واضطر ان يستقيل من الوزارة، ويدخل مصحة
نفسية، ولكن انتهى دوره السياسي تماما من بعدها
قامت بريطانيا بالاهتمام بعدن بعد حرب السويس كميناء وكقاعدة عسكرية هامة جدا، وفتحت الباب لعشرات
الألاف من الجنوبيين والشماليين، وخاصة من العمال الذين جاءوا من تعز وما حولها حوالي 12 ألف أو أكثر،
ومن المناطق الاخرى المحلية 12 ألف عامل أيضا. وجاء التجار من كل مكان، تجار حضارم كانوا موجودين
في أفريقيا وكينيا وماليزيا واندونيسيا وغيرها، عادوا الى عدن باعتبارها منطقة مزدهرة ، فعدن كان فيها عدد
كبير من السكان وسياسة بريطانيا الجديدة كانت جيدة في هذا الباب كونها منعت الهنود من دخول عدن مرة
أخرى، وقل عددهم نسبيا، وزاد العرب بأعداد كبيرة جدا، وصارت عدن ميناء اليمن كما كانت في التاريخ القديم
عدن مدينة ذات تاريخ طويل بالتجارة وتاريخ متصل بأمم مختلفة، كان فيها من الصومال بافريقيا ومن الهند كان
يوجد عدد لا بأس به  وحتى من الصين كانت زيارات تأتيها  ومن مصر. كما كان فيها عدد كبير من الحجاز أيضا
وكانت علاقتها بالحجاز وطيدة، وكذلك مع سوريا والعراق وفيها بعض الاسر من ايران، ومما يسمى دول
الخليج (الان) .. وحتى من اوربا كان فيها بعض العائلات وخاصة من اليونان وفرنسا بالاضافة الى البريطانيين
وكانت في عدن قبل الخمسينات مدارس ابتدائية حكومية وأهلية، لكن بعد الخمسينات كثرت المدارس المتوسطة
والمدارس الثانوية، وفيها بدأت كلية عدن وكانت متميزة، وقد قام تاجر فرنسي اسمه البس بالتبرع بانشاء معهد
فنيٍ راقٍ، والذي صار بعد الاستقلال كلية الهندسة التابعة لجامعة عدن ...  وتبرع لجامعة أوكسفورد بمليون
جنيه استرليني، وهو مبلغ كبير جدا في ذلك الزمان ليبدي لحكومة بريطانيا امتنانه

 اليهود في عدن 1947
       يهود عدن لهم فترة طويلة من الزمن، فهم جزء من يهود اليمن، الذي بدأ من عهد بلقيس وسليمان عليه
السلام، يعني قبل حوالي ألف سنة قبل الميلاد. قالت بلقيس ملكة سبأ كما يرويها عنها القرآن
الكريم { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل : 44] ، ثم اختفت  اليهودية في اليمن وعادت مرة أخرى
في عهد تُبّع الاكبر في القرن الرابع – الخامس الميلادي واستمرت بعد ذلك الى اليوم، تزداد نسبيا وتقل أحيانا وكانت أكثر ايامها في عهد ذو نواس (ملك يمني حميري يهودي) الذي اضطهد المسيحيين عندما ظهرت
المسيحية في نجران فاضطهدهم وعذبهم، وعمل الاخاديد واشعلها بالنيران ورماهم فيها. وهي لاتزال موجودة
كمعلم تاريخي في نجران(جنوب المملكة العربية السعودية) الى اليوم، وذكر بعض المفسرين في قوله
  قوله تعالى : { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ(6) وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [سورة البروج : 4-10]ان هذه الايات نزلت في نصارى نجران وقصة تعذيبهم بينما ذكر اخرون انها نزلت في قوم اخرين واستدلوا باحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب 
وأدى استبداد الملك اليهودي ذو نواس الى ذلك الهجوم من الحبشة على اليمن بتشجيع من الدولة الرومانية
البيزنطية، واستطاعت الحبشة ان تهزم ذو نواس وأن تحتل اليمن، وقام بعد ذلك ابرهة الاشرم الحبشي بمحاولة
الهجوم على مكة المكرمة. وقصة ابرهة قد وصفها الله تعالى في سورة الفيل : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ } ،وقد قتل ابرهة نتيجة هذه الطير الأبابيل هو ومعظم جيشه ،  ثم عاد ابن ابرهة الى اليمن ليحكمها
وقد ولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في عام الفيل بعد خمسة اشهر من حادثة الفيل، وأُعتبرت هزيمة
ابرهة إرهاصا بقدوم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وحفظ الله تعالى البيت الحرام ومكة
المكرمة من غزو الاحباش ببركة ميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
 وقام سيف بن ذي يزن بالاتصال بالفرس الذين أمدوه بجيش صغير، والذي استطاع ان يدخل عدن ويحررها من
حكم الحبشة، ثم انتقل الى المناطق الاخرى حتى وصل الى صنعاء وحررها منهم وانهى حكم الحبشة على اليمن
انهاء تاما، وقد قامت القبائل العربية بتهنئة القائد سيف بن ذي يزن بانتصاره على الاحباش ومنها وفد قريش
الذي كان يرأسه عبد المطلب ابن هاشم جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . هذا تاريخ موجز وبالتالي
ابيح لليهود ان يبقوا كما كانوا سابقا
وفي عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أسلمت اليمن بكاملها ما عدا مجموعة من اليهود والنصارى الذين
دفعوا الجزية وبقوا على دينهم. وظهر في عهد الصحابة ثلاثة من يهود اليمن الذين اظهروا الاسلام وكان لهم
دور في التاريخ الاسلامي وهم
أ- كعب الأحبار : وهو كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق من يهود اليمن اشتهر في عهد الصحابة بمروياته
الاسرائيلية من التوراة وغيرها وفيها كثير من الاباطيل ، وأظهر الاسلام وقال لعمر بن الخطاب ذات يوم لقد
عرفتك من التوراة التي ذكرتك . فاستغرب عمر رضي الله عنه وقال : ذكرتني بالاسم ؟ فقال لا ولكن ذكرت
صفاتك ... ولما كان في بيت المقدس مع عمر رضي الله عنه سأله عمر بن الخطاب اين ترى أصلّي ؟ فأشار الى
موقع مواجه لاثر يهودي، فقال عمر : ظاهيت اليهودية يا ابن السوداء ، ثم تقدم عمر ثم جعل هذا المكان خلفه
واتجه ال القبلة مباشرة . وقيل أنه قال لعمر قبل ان يقتل : أوص يا أمير المؤمنين فإنك ميت بعد ثلاث، وكررها
في اليوم الثاني والثالث وبالفعل قتله ابو لؤلؤة المجوسي بعد اليوم الثالث، فإن صّح هذا الخبر فكعب أحد
المتآمرين في قتل عمر
وكثير من اخباره الاسرائيلية دخلت في التفاسير وفي بعض الاحاديث المنسوبة الى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم ولكن جهابدة العلماء أبانوا زيفها وانها من خزعبلات اليهود الموجودة في كتبهم
ب - وهب بن منّبه: هو وهب بن منبه الصنعاني. الذماري في اليمن. ولد في سنة 34 للهجرة. كان وهب من
أصول يهودية يمنية و يُقال أسلم أبوه على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحسُن إسلامه وقد ولد وهب في
زمن عثمان سنة أربع وثلاثين هجرية، ورحل وحج  وتوفى وهب سنة 110 هـ ، واخذ عن مجموعة من
الصحابة منهم ابو هريرة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهم ، وهو تابعيٌ ثقة ، واخذ عنه كثير من
تابعي التابعين
ج - عبد الله بن سبأ (ابن السوداء) الصنعاني اليمني الذي أظهر الاسلام . وكان له دور في الفتنة في ايام عثمان
رضي الله عنه وذهب الى مصر واثار كثير من الجند ضد عبد الله ابن ابي السرح (وهو اخو عثمان من الرضاعة
ووالي مصر) بسبب  اعطاء عثمان له ألف درهم مكافأة له على فتوحاته، لانه فتح ليبيا والنوبة. وكان لعثمان
رضي الله عنه اجتهادات في اعطاء الولاه من بني أمية المبالغ الكبيرة والسلطة الواسعة كما كان بعضهم من
الفساق  مثل الوليد بن عقبة بن ابي معيط الذي ولاه عثمان الحكم في البصرة فصلى بالناس الفجر وهو سكران،
وهوالذي نزل فيه قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات : 6].؟
 واستطاع عبد الله ابن سبأ في استغلال هذه الحوادث وسوء افعال بعض الولاة، وخاصة مروان ابن الحكم الذي
كان مسيطرا على الحكم داخل المدينة نفسها – استطاع ابن سبأ في اثارة العديد من العامة وبعض الصحابة ضد
ولاة عثمان، وانتهى الامر الى الثورة وقتل عثمان رضي الله عنه. وكان لابن سبأ دور وأيّ دور في هذه الفتنة
وقد استطاع بمكره وذكائه استغلال الاوضاع السيئة الموجودة، حتى أوقد نيران الفتنة .. وادعى محبة الامام
علي، ثم ادعى ألوهية علي  وكان له اتباع يروجون أقواله، فلما علم الامام علي بمقولته الشنعاء أمر بالقبض
عليهم وأحرقهم بالنار، ولكن ابن سبأ استطاع الهرب والاختفاء فلم يستطع الامام علي ان يقتله
وعندما دخل الانجليز الى عدن كان عدد اليهود ألفي شخص تقريبا، واتصلوا بالكابتن هينز وامدوه بكثير من
المعلومات واشتغلوا جواسيس ضد الدولة العبدلية التي كانت في لحج والتي كانت تحكم عدن والتي حاولت ثلاث
مرات ان تستعيد عدن من الكابتن هينز ولم تستطع بسبب قوة المخابرات البريطانية والتي كانت اعداد كبيرة
منها بواسطة اليهود. واليهود في عدن اشتغلوا كتجار وكانوا يعملون خاصة في صياغة الذهب، واشتغلوا
كجواسيس للحكومة البريطانية وموظفين لها، كما اشتغلوا في بيع الخمور بشكل كبير
 واليهود اليمنيون هم يمنيون تهودوا منذ أيام تُبّع الاكبر، وهم في الاصل قبائل يمنية منذ زمن طويل ، فهذا جعل
لهم بقاء في البلاد اليمنية ككل وانتماء لهذه البلاد
في 1947 بدأت الحركة الصهيونية في فلسطين بمذابح كبيرة، مذابح دير ياسين وقبية وغيرها، وقتلوا اعداد
ضخمة من الفلسطينيين حتى يرهبوهم، ويخرجوا من بلادهم ويحتلون بلادهم، وكان شامير وبيجن هم القائمون
بكثير من هذه المذابح والقتل، فثار الناس في عدن، عندما سمعوا الاخبار السيئة هذه، وكانت ثورة طبيعية ولكن
كان وراءها أشياء سنذكرها
 الثورة الطبيعية ادت الى ان يقوم الناس باحراق اماكن اليهود، واماكن تجارتهم في كريتر عدن، واعتداء على
منازل بعض اليهود واحراق بعض اليهود، نزلت بعض القوات البريطانية وحاولت ان تحمي هؤلاء اليهود
واطلقت النيران مباشرة على كل من يقترب من منطقة اليهود، ولكن الغريب في الامر أن يهود عدن الذين
هاجروا بعد ذلك الى بريطانيا وكتبوا كتابا اصدره المتحف البريطاني موثقا يقول ان بريطانيا كانت ايضا تطلق
النار على بيوت اليهود حتى ترعبهم، وكانت بريطانيا مع رئيس اليهود الموجود في عدن (بنين)، وهو تاجر
يهودي كبير في عدن، وفي فترة من الفترات كان يملك نصف بيوت عدن ويؤجرها، وكان بنين متصلا بالحركة
الصهيونية وكان الغرض من ذلك كله دفع يهود اليمن الى الهجرة الى فلسطين، وبالفعل بعد هذه الحادثة هاجر
يهود عدن ويهود اليمن الى فلسطين .. اتوا بهم من مناطق مختلفة من الشمال من(صعدا) وما حولها ومن
صنعاء، واتوا بهم من بيحان وشبوة من المنطقة الجنوبية وغيرها، وتجمع آلاف اليهود في ما يسمى مدينة
الشعب الآن ، في منطقة الحسوة ، تجمع فيها آلاف من اليهود وكانت تشرف عليهم بريطانيا في مخيمات خاصة 
وتقوم بتمريض المصابين منهم، وكان بعضهم مرضى وبعضهم عندهم حالات معدية من الحشرات والطفيليات ،
فكانوا يقدمون لهم العلاج والدواء والغذاء حتى تتحسن صحتهم
و بدأت الخطوط الجوية البريطانية ، في نقل اليهود الى فلسطين (اسرائيل) في رحلات متتابعة واطلق
عليها ( بساط الريح) . منذ نهاية 1947 الى نهاية 1948 وفي خلال سنة تم نقل 50 الف يهودي من عدن الى
فلسطين (اسرائيل) . وكان اليهود يجمعون من كل مكان في اليمن، وكان عدد اليهود في عدن قد وصل الى
عشرة  الاف نسمة، ولم يهاجر كل يهود عدن بل هاجر جزء منهم .. وقد تكاثروا في اسرائيل بعد ذلك حتى وصل
عددهم الى 300 ألف يهودي يمني
في هذه الأثناء من سنة 1947 كان أخي أحمد وهو يكبرني بسنتين أو ثلاث المولود في دوعن قد أتى به الوالد
من دوعن لأن والدته توفيت وهو طفل رضيع وربته جدتي هناك وبقى في مدينة الخريبة في دوعن ودرس في
مدرستها  لكن هذه المدرسة كانت بسيطة ، وأراد الوالد ان يلتحق بمدارس عدن لأنها أفضل بكثير من مدارس
دوعن. وفي اليوم التالي بعد وصوله الى عدن أخذته ليشاهد معالم مدينة عدن وبدأت بتلة قريبة من المنزل كان
فيها مستشفى للامراض الصدرية اعلى التلة ، وهي مطلة على كريتر على عدن نفسها، ولكن فجأة قامت
مظاهرات ضخمة وأعداد كبيرة من الناس وتدافع كبير فانفلت من يدي، كان عمري في ذلك الوقت سبعة سنوات
وأشهر وهو في التاسعة أو العاشرة، وذهبت أبكي إلى البيت لقد فقدت اخي فجأة ولم اعرفه الا منذ اقل
من 24 ساعة، فكيف أفقده؟ وكان ذلك شيء مرعبا بالنسبة لي وكنت أيضا خائف من والدي، والوالد بالحقيقة
حزن كثيرا وبنفس الوقت عرف أن هناك مظاهرات ضخمة فخرجوا بسرعة وبحثوا عنه حتى وجدوه، وكان
هناك إطلاق نار وتدافع شديد واحراق أماكن اليهود بالذات، كانت هناك فوضى شديدة، ومن الممكن أن يصيبه
مكروه، وبفضل الله سبحانه وتعالى وجدوه قبل أن يصاب بأي مكروه وعاد الى البيت وأخذته أمي، وكانت أمه
الثانية لأنه فقد أمه وهو رضيع وكانت جدتي أم الوالد هي التي كانت ترعاه في حضرموت في دوعن ، فهذه
أحداث 1947 وهي أحداث مهمة جدا

 مدارس عدن وبداية التعليم بالنسبة لي
كانت عدن مدينة تنهض وتسير بسرعة في كثير من المجالات . وفي سنة 1947-1948 كان والدي يريد ان
يعلمني في البيت ويحضر لي مدرسين ويعلمني التجارة لكي أصبح تاجرا مثلهم، لكن كان أحد أقارب والدتي
السيد حامد الصافي مدير مدرسة متوسطة، وكان سيُرسل إلى بريطانيا لزيادة دراسته بالتعليم حتى يعود مسؤولا أكبر، وكان صديقا للوالد أيضا، فنصح والدي وقال له :قد يضيع الولد يجب ان تدخله مدرسة مباشرة، فدخلت المدرسة وأنا متأخر في عمر 8 سنين تقريبا بصعوبة، فلم يوجد لي مكان لأني تأخرت بالتسجيل فأرسلوني الى المعلا، ومن ثم انتقلت الى مدرسة في عدن يسمونها مدرسة السيلة (سكول رسدينسي وهي اختصار لكلمة إنجليزية  أي محل اقامة المسؤول البريطاني في عدن) ؟
 وهي مدرسة كبيرة، ومن كبرها وقوتها صارت بعد ذلك المتحف الحربي، ولها الأن أكثر من 80 سنة ضخمة
وفخمة جدا، وكان مديرها في ذلك الوقت الشيخ كامل صلاح، وهو رجل من مكة المكرمة. وكثير من الأسر
المكاوية كانت تأتي الى عدن، لأن فيها حرية ومنفتحة  ومن هؤلاء جاء الشيخ كامل صلاح إلى عدن وصار
مدير هذه المدرسة، ومن ثم ذهب الى منطقة أخرى في لحج وصار قاضيا شرعيا مسؤولا.. وهو من علماء عدن
الكبار وهو رجل فاضل جدا رحمة الله عليه، وكان جارنا وبيته قريب من بيتنا، وابنه الأخ عدنان كنت أكبر منه
بعدة سنوات، لكن نتيجة القرب في الشارع والبيوت المتقاربة جدا فكان بيننا صداقة، وبعد أن انهارت عدن
بالحكم الشيوعي، رجع هو وأهله وأخواته الى السعودية، واخذوا جنسيتهم مرة أخرى، وصار لديه أعمال
تجارية وكان أيضا صحفيا يكتب في (صحيفة المدينة) وغيرها، وله مقالات اسبوعية مستمرة من فترة طويلة
هذه أسرة من الأسر المكاوية الحجازية
وفي اخر سنة 1947-1948 دخلت الى المدرسة، وكان في نفس الفصل إلى جانبي أخي وزميلي وصديقي
شهاب غانم في ذلك الوقت ووالده كان نائب مدير التعليم في عدن ، ومن بعد ذلك تولى ادراة التعليم كلها، وكان
من القلائل الذين أتيح لهم الدراسة في بيروت بالجامعة الامريكية، والقلائل الذين اخذوا الشهادات العالية، وبعد
ذلك وصلوا الى الدكتوراه  وغيرها، وتعمقت الصداقة بيني وبين زميلي وصديقي بعد ذلك
 وتولى بعد الشيخ كامل صلاح ادارة مدرسة السيلة السيد محمد الباقر الحازمي، وهو من عائلة الحازمي  وهم
قد أتوا من المخلاف اليماني (من نجران جيزان إلى عسير)، وكانوا من الأشراف الحسنين نسبة إلى سيدنا
الحسن، وكان فيهم علماء، وجدهم الذي جاء إلى عدن أحد كبار العلماء، عينته الحكومة البريطانية قاضيا
شرعيا في الصومال ثم أتت به إلى عدن، وصار القاضي الشرعي في عدن، وأولاده دخلوا في سلك التعليم منهم
السيد محمد الباقر وأخوه السيد زين الحازمي، وبعثته بريطانيا في البعثات الأولى مع السيد حامد الصافي (أحد
أخوالي)، وصار من ضباط ادارة التعليم الموجودة هناك
آل الحازمي هم أخوال والدتي ، والصلة حميمة لانهم أخوال الوالدة مباشرة، جدي عبد الله(عبيد) بن أحمد
الصافي، تزوج منهم وانجب مجموعة من أولاده وبناته، وبعد وفاة زوجته من آل الحازمي تزوج امرأة اخرى
من آل السقاف، وقد تزوج ثلاث مرات، ولكن المجموعة الكبرى من اولاده وبناته كان اخوالهم من بيت
الحازمي، فهذه المجموعة مجموعة علم وفضل، لهم دور في عدن بعد ذلك . ومن بيت الحازمي الشريفة قدرية
زين الحازمي التي تخرجت من الجامعة الامريكية في بيروت كانت من البعثات الاولى من الفتيات التي ضمت
أيضا أصغر خالاتي الشريفة عائشة عبد الله الصافي وكلاهما استقر في الامارات العربية في (ابو ظبي )، وأخذتا
الجنسية الاماراتية وكان لهما دور كبير في تعليم الفتيات
ومن ميزات هذه المدرسة الأبتدائية أنها كانت تعطي كل طفل في فترة الفسحة كأس حليب طازج حار وحبة موز،
وكان علي التركي عنده أعداد كبيرة من الأبقار ويورد للمدارس الحكومية  كلها الحليب، وعنده مجموعة من
الفنادق ... كانت هذه السياسة جيدة جدا بدلا من الغازيات وغيرها. لقد أخذت الحكومة هذا المبدأ السليم في
المدارس الابتدائية لان بعض الطلبة  فقراء لا يستطيعون ان يحصلوا على الموز والحليب لكل طفل ... هذا
النظام مهم للاطفال ويحتاج تعميمه بدلا من الأكل الذي انتشر بعد ذلك من بوفيهات وغيرها بما فيها من حلويات
وغازيات وكلها مواد فيها كمية كبيرة من السكر وملونات ومواد صناعية ضارة صحيا، فالعودة الى النظام القديم
أفضل ما يحفظ صحة الأطفال
كانت هناك مدارس أخرى أهلية بجانب المدارس الحكومية الموجودة، منها مدرسة بازرعة وهي مدرسة
اسلامية وخيرية، كان أحد التجار من آل بازرعة له دور كبير فيها وقد قامت بتعليم الطلبة .. فيها ابتدائية
ومتوسطة وبعدها وصلت إلى الثانوي أيضا، وكان مدير المدرسة كلها الشيخ علي باحميش وهو خريج الأزهر
الشريف. وكان لها نظام جيد في اللغة العربية والتعاليم الاسلامية، بالإضافة إلى المواد التعليمية الأخرى مثل
المواد العلمية والأدبية والرياضيات والعلوم وغيرها، وكانت تدرس اللغة الإنجليزية، ولها أنشطة أجتماعية
ولها كشافة. هذه مدرسة من المدارس المهمة التي تخرج منها عبد الله باذيب وعلي باذيب وغيرهما وكانا من
أوائل الصحفيين المشهورين في عدن
  وكذلك كانت هناك مدرسة الفلاح، أسسّها السيد حسين الدباغ المكي أسس مدرسة في عدن ومدرسة في
المكلا في فترة مبكرة عام 1930 ولكن الإنكليز رأوا ان مناهج هذه المدارس قوية من جميع النواحي دينيا
ولغويا و أيضا فيها نشاط كشافة ونشاط علمي، فخافوا من ذلك الاتجاه مما يؤدي بعد ذلك إلى مجموعة من
الشباب الذين سيتخرجوا ويطالبوا بالاستقلال والوطنية، فطلبوا من السيد الدباغ ان يغادر البلد وان يعود الى
مكة المكرمة فعاد ولكن بقيت مدرسة الفلاح في عدن بعد ان توقفت في المكلا، استمرت في شارع الزعفران
وتولاها بعض الاشراف الذين اتوا من المملكة العربية السعودية، من منطقة جيزان وما حولها، وكان الذي
تولاها الشريف عدنان الشريف، وهي مدرسة فيها جانب ديني جيد في دراسة وتلاوة وحفظ القرآن، والفقه
الاسلامي، واضيف اليها الرياضيات واللغة الانكليزية وبدون شك كانت من ناحية تدريس اللغة العربية والناحية
الدينية أفضل من المدارس الحكومية بكثير، ولكن من ناحية المواد العلمية الأخرى أقل من المدارس الحكومية
توضح هذه الانشطة الاهتمام الكبير الذي أولاه أهل مكة والحجاز بعدن والمكلا، و ذكرنا أن العائلات المكية
كانت كثيرة، مثل الشيخ كامل صلاح وهو مكي، وتولا بعده السيد محمد الباقر وهو من آل حازمي الذين جاؤوا
من عسير كما أسلفنا ومن أهل مكة أسرة آل امان ومن أبرزهم  الأستاذ لطفي جعفر أمان الذي سنفرز له فصلا
خاصا
 وهناك العديد من المدارس الحكومية الإبتدائية والمتوسطة والثانوية، ومنها مدارس للبنات، كما قامت الحكومة
ببناء مدارس لأبناء وبنات اليهود، وكانت مدرستهم قريبة من مدرستنا السيلة ، كما كان لليهود مدارس خاصة
بهم لتعليم أولادهم وبناتهم وتركز على الناحية الدينية الخاصة بهم. وكان للهندوس مدارسهم الخاصة بهم
وقامت الجالية الهندية المسلمة بفتح مدرستين هما مدرسة انجن إسلام ومدرسة باجي لالجي الإسلامية، كما
قام راجم نار أحد أثرياء الهنود المسلمين باقامة معهد تجاري يخرّج مجموعة من الموظفين للبنوك والمسائل
الحسابية والمالية، وقد سعى الشيخ محمد سالم البيحاني في اقامة معهد اسلامي ديني، ونجح في ذلك، وقد
درّس في هذا المعهد الأستاذ الدكتور أحمد محمد علي من أهل مكة المكرمة، والذي كان أول مدير لجامعة الملك
عبد العزيز في جدة عند انشائها ثم صار مديرا للبنك الاسلامي الدولي منذ انشائه الى اليوم (2018)!؟
وهناك مدارس الكنيسة الكاثوليكية (سنت جوزيف) والتي تعرف باسم البادري (الاب باللغة الايطالية) في عدن
وهي من الإبتدائية إلى الثانوية، وتدرس باللغة الإنجليزية فقط، وتمنع أي لغة أخرى، وبعض طلبتها هم من
اللقطاء والايتام الذين اخذتهم الكنيسة في عدن، ولها رسوم رمزية بالنسبة للأخرين. وبطبيعة الحال تدرس
بعض التعاليم المسيحية فقط، ولا تدرس أي دين أخر، بل وتحاول اغراء الطلبة المسلمين بالتحول الى المسيحية بشكل غير مباشر
وقد قامت الحكومة البريطانية بإقامة مدرسة فوق جبل حديد في عدن وجعلتها مدرسة داخلية وهي مخصصة
لأبناء السلاطين ومشايخ الجنوب. وهي سياسة ذكية حيث تأخذ أبناء المشايخ والسلاطين ويكونوا عندها
كرهائن بحيث لا يستطيع أي أحد من هؤلاء المشايخ أو السلاطين أن يثور على بريطانيا لأن أبنائهم موجودون
لدى بريطانيا، وكانت هذه المدرسة مخصوصة فقط لهذه الطبقة وهم معزولون تماما عن المجتمع ويدرسون من
الأبتدائية حتى الثانوية، وترسل بريطانيا الأذكياء منهم بمواصلة التعليم في بريطانيا
وعندما قامت حكومة عدن بافتتاح كلية عدن قام التاجر الفرنسي المشهور البس بافتتاح المعهد الفني في المعلا
وهو معهد راقي يؤدي الى أخذ الشهادة من بريطانيا ستي إنجلز ثم صار هذا المعهد كلية الهندسة فيما بعد
ومن هذه الأسر أسرة المكاوي وقد ظهر منها الشيخ عبد المجيد المكاوي الذي قدم خدمات جديدة لعدن وأعطته
الملكة اليزابيث عند زيارتها لقب سر (KBE) (فارس الإمبراطورية ) مع السيد أبو بكر بن شيخ الكاف الذي
قام بتعبيد الطريق من الشحر إلى سيون لاكثر من مئتي كيلومتر على نفقته الخاصة كما قام بتهدئة القبائل وأنفق عليهم أموالا كبير، وقام بإفتتاح عدة مدارس ومستشفى أيضا على نفقته الخاصة وقد جلب كل ثروته الكبيرة من سنغفورة  وأنفقها في هذه المشاريع الجليلة، فإعترفت بفضله حكومة بريطانيا
ومنهم الأستاذ عبد القوي مكاوي كان موظفا كبيرا في شركة البس وهو رجل اداري جيد، وفي الخمسينات من
القرن العشرين قامت بريطانيا بإجراء إنتخابات للمجلس البلدي في عدن، وكانت الإنتخابات حقيقية، وكان يسمح لأبناء عدن فقط لدخولها، وبعدها سمحوا بالإنتخابات للمجلس التشريعي الذي كان معيّنا، ويرأسه الحاكم
الانجليزي مباشرة، ثم بعد ذلك سمحوا لهم أيضا بإنتخاب رئيس المجلس بدلا من الحاكم البريطاني، وبعدها
سمحوا ان يكون من أبناء عدن رئيس وزراء، وكان عبد القوي مكاوي رئيسا للوزراء لفترة محدودة اصطدم
بعدها مع السلطة البريطانية، وانضم إلى الحركة الوطنية .. ثم بعد ذلك صار رئيسا لجبهة التحرير الوطنية وغادر عدن مع كثير من السياسين والمناضلين الى القاهرة التي دعمت الثورة الوطنية في الجنوب وسيأتي شرح دوره عندما نتعرض للحركة الوطنية في عدن والجنوب

 بعض اساتذتي في المدرسة الابتدائية 
قد درسني فيها عدا الاستاذ لطفي جعفر أمان (الذي سنذكره فيما بعد بشيء من التفصيل) مجموعة من الأساتذة
الفضلاء منهم الأستاذ بارحيم وكان شديد الأناقة وكان يلبس طربوشا متميزا ، كان يدرسنا اللغة العربية وغيرها
وكان لديه مسطرة غليظة يضرب بها من يخطئ  ومن مدرسينا الأستاذ حامد خليفة درسنا العلوم، وأذكر في
السنة الرابعة الإبتدائية أنه جاء بصور متعددة لمراحل تطور خلق الإنسان من قرد ... وتدريس نظرية التطور
لأطفال صغار أمر مربك لهؤلاء الصغار، وقد ذهبت إلى والدي اشتكي له ما قاله الأستاذ : هل صحيح أن أصل
الانسان من قرد ؟ فقال الوالد رحمه الله : كلا ، إن الانسان مكرم خلقه الله سبحانه وتعالى مباشرة من الطين
وكرمه {ولقد كرمنا بني آدم } وقلت له وماذا افعل في الامتحان، قال اكتب كما يقولون، ولكن لا تصدقهم  وهذه
أول مشكلة كنت أواجهها، اختلاف المعلم والوالد، واختلاف البيت والمدرسة، وهي معضلة لكثير من الطلبة
أمثالي، وكان من الواجب أن لا تدرس هذه النظرية على الاطلاق، لأنها مثار جدل شديد، واذا كان لا بد من
تدريسها فيجب أن تكون في مراحل الثانوية العالية والجامعات، حيث يمكن مناقشتها وما فيها من أراء مصادمة
للتصورات الدينية
والغرض من تدريسها في العهد الاستعماري للأطفال، هو إخراج جيل مضطرب المفاهيم تماما، ولديه تشكك في
المفاهيم الدينية .... على أية حال لم تكن المدارس الحكومية تدرس مادة الدين في المراحل التعليمية إلا نزرا،
وكثير من الطلبة لم يكونوا يعرفون من الدين الا أقل القليل، ولا يستطيعون تلاوة القرآن، بل وبعضهم لا يعرف
كيف يصلي، واذا  لم يكن في البيت حاضنة يتعلم فيها الطالب الصلاة  والشعائر الدينية وقراءة القرآن، فإنه لا
يتعلم ذلك في المدرسة اطلاقا
وكثير من البيوت تهتم بتعليم أطفالها المبادئ الدينية الأولية وقراءة شيء من القرآن، وعلى الأقل جزء عم
وبعض الأسر تهتم في تدريس أبناءها وبناتها، القرآن والشعائر الدينية. وقد تذهب بهم إلى حلقات دراسة القرآن
في المساجد القليلة التي تدرس القرآن.. ويختلف هذا من أسرة لأسرة

المدرسة المتوسطة
    قد دّرسنا بالاضافة الى الاستاذ لطفي مجموعة من الاساتذة الفضلاء منهم الاستاذ عمر عبد العزيز الذي
درس في جامعة القاهرة كلية الآداب وعاد ليدرسنا اللغة العربية، ومنه الاستاذ حسين دلمار (عدني من أصل
صومالي) الذي درسنا اللغة الانجليزية والذي صار فيما بعد أحد أصدقائي. والاستاذ ابراهيم لقمان الذي درسنا
الرياضيات وكان بارعا فيها وفي تدريسها. ومنهم الاستاذ عبد الرحيم لقمان خريج الجامعة الامريكية بالقاهرة
الذي كان مديرا للمدرسة المتوسطة ، وكان يدرسنا اللغة الانجليزية وقواعدها، كما كان يستعمل بكثرة اللهجة
العدنية الدارجة المضحكة في توبيخ التلاميذ، ولم يكن يضرب أحدا قط، بل يكتفي بالأسلوب الساخر والنكتة
العابرة
وكان من بين أساتذتنا أيضا الأستاذ الشيباني الذي درسنا الجغرافية وكان شديد الإهتمام بالخرائط ويطلب من
الطلبة أن يرسموا خرائط القارات وغيرها ويحاسبنا عليها حسابا شديدا
وقد درسنا أيضا الأستاذ هاشم عبد الله وهو عراقي الأصل وأستقر في عدن وتزوج من أحد بيوت عدن
المعروفة (بيت الباصهي). كان الاستاذ هاشم أحد الذين ساندوا ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق، ووضع
كتابا بعنوان "جزيرة العرب تتهم حكامها". وكان يدرسنا اللغة العربية ويتميز بهدوئه الشديد وبلاغته وخطه الجميل وقدرته على القصص بحيث كان يسحر الطلبة بقصصه الجميلة ويجعلهم منتبهين الى ما يقول، وقد استمر لتدريسنا الى المرحلة الثانوية في كلية عدن
 وكانت المدرسة المتوسطة جميلة ومطلة على بحر صيرة ، وأمام المدرسة جزيرة صغيرة عليها جبل وفي قمة
الجبل قلعة تاريخية منذ أيام الأتراك أو ربما قبل الأتراك، لحماية الميناء، وكان مدرس الرسم يطلب منا  أن
نرسم تلك القلعة مع ساحل صيرة، وهناك جسر (كوبري) يصل بين صيرة وهذه الجزيرة فكان يعطي منظرا بديعا 
وكنا ننزل في الفسحة مباشرة الى الساحل، وفي أحد الفصول كنت بجانب النافذة المطلة على البحر وفجأة رأيت
مجموعة من الدلافين تتراقص امامي فشدّت انتباهي وأبعدتني عن الدرس تماما، حتى انتبه الاستاذ وصرخ بي
ماذا تفعل ؟ فقلت : ألا ترى هذه الحيتان تقفز وتتراقص أمامي ؟ فقال : انظر الى الدرس أهم 
 وكانت تتميز المدرسة بملاعبها والمسابقات الرياضية وفرقها الرياضية، وفي أخر السنة كان هناك مسرح.
وكان الطلبة يشتركون في التمثليات التي يقوم باخراجها بعض الاساتذة المهتمين
وكانت المدرسة تنظم رحلات الى السواحل الجميلة ومن ضمن ذلك الى البريقة (عدن الصغرى) حيث سواحلها
الذهبية الجميلة، وينزل الطلبة للسباحة مع بعض الأساتذة، ولكن جاءت دوامات واصابة الذين توغلوا في
السباحة ولم يستطيعوا العودة، وكان هناك هرج ومرج ولم يكن هناك من يجيدون السباحة اجادة تامة وحتى من
الاساتذة، ولكن بفضل الله مر أحد اللبنانيين الموظفين في شركة المصافي اثناء بناءها ويبدو انه بطل سباحة
فأسرع بانقاذ الطلبة، وبالفعل انقذ مجموعة طيبة منهم، ولم نفقد أحدا بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بفضل هذا
السباح الماهر 
وفي سنة 1953 نظمت الحكومة إحصاء سكاني لمستعمرة عدن واستخدمت المدرسين والطلبة لجمع
المعلومات الاحصائية. وكان يرأس مجموعتي الأستاذ حسن علي مليبار (وهي كيرالا في جنوب شرق
الهند) وكان الأستاذ يسكن في نفس الحارة التي نسكن فيها وينظم الحملات لزيارة المنازل في الفترة المسائية
حيث يكون الأهالي عادوا إلى منازلهم، وبالفعل سهرنا عدة ليالي حتى جمعنا المعلومات الوافية المطلوبة وتمت
مكافئة الأساتذة والطلبة بمبالغ رمزية تشجيعا لهم على ما قدموه من معلومات
وقد قامت المدرسة برفع أوائل التلاميذ من صف الى صف أعلى اذا تميزوا في الامتحان الفصلي، وتم نقلي من
الصف الأول المتوسط الى الصف الثاني، حيث كان أخي أحمد يدرس في ذلك الفصل، وقد استطعت أن اتجاوز
الفروق في دروس المواد المختلفة بسرعة وأن يكون ترتيبي الثاني في الفصل الجديد ولكني عانيت فيما بعد من
عدم فهم النحو العربي بسبب فقدان عدة دروس نتيجة اختصار الفترة الدراسية  ورغم اني كنت متفوقا في اللغة
العربية ما عدا النحو، ولم أستطع التغلب على هذه المشكلة إلا فيما بعد عندما بدأت الكتابة والتأليف
ومنذ دخولي المرحلة المتوسطة بدأت بقراءة كتب الادب العربي وخاصة كتب الدكتور طه حسين بتشجيع من
عمي محمد الذي كان مغرما بطه حسين، حتى ان بعض زملائي في المدرسة كانوا يسخرون مني ، ويدعونني
طه حسين
وفي الفترة المبكرة أحببت قراءة الكتب المختلفة حتى انني أهملت كرة القدم التي كنت أحبها وكرة التنس التي
بدأت اتعلمها، وكل ما لدي منالسينما، وأطلب من عمي الأخر عبد القادر ثمن التذكرة لأشتري بها كتابا. وفي
فترة المتوسطة قرأت معظم كتب طه حسين وعبد القادر المازني وتوفيق الحكيم وعباس محمود العقاد، وبدأت
بقراءة أحمد أمين في كتبه العويصة، فجر الإسلام وضحى الإسلام، وظهر الإسلام ويوم الإسلام . وكتب زكي
مبارك وهي رسائل دكتوراة معقدة في الأدب العربي والتصوف والغزالي وغيرها، وكنت أفهم بعضها ولا أفهم
الكثير منها، ولكني كنت أصر على قراءتها وإكمالها وإتمامها
وكنت أسأل والدي عن ما أشكلَ عليّ فيقول لا أعرف الاجابة ودا المحضار فاسأله، وكان صديق الوالد وكان
كثيرا ما ياتي الى بيتنا الى جلسة الشاي في فترة العصر اذا كان في عدن. وأذكر سنة 1954 طلبت منا إدارة
المدرسة الإستعداد لإستقبال ملكة بريطانيا العظمى الملكة اليزابيث الثانية التي زارت عدن في تلك الفترة،
فتُعللت باني مريض وذهبت. مع ابتداء الوعي الوطني في تلك الفترة عندما زرت عدن في بداية القرن الواحد
والعشرين، وجدت المدرسة قد تهالكت مبانيها، ولكنها تحمل اسم الاستاذ لطفي جعفر أمان. وتم فصلها عن
ساحل البحر بطريق معبد تمر فيه السيارات، وتحتاج المدرسة الى ترميم أو إعادة تشييد بعد هذا الزمن الطويل
 
كلية عدن
 إعتمدت في كتابة هذا الفصل على ما بقي من الذاكرة ومن المحادثة مع بعض الزملاء القدماء وعلى موقع
خريجي كلية عدن الذي قام به لفيف من خريجي الكلية على رأسهم الأخ العزيز الأستاذ الدكتور عبد الله السياري
ومعه ثلة من الخريجين القدماء من أمثال الأخوة الإعزاء الدكتور شهاب غانم والاستاذ أشرف جرجرة
http://www.adencollege.info/html/body_reunions1.html
وقد بدأ الموقع بذكر نبذة عن تاريخ عدن أخذها من موقع استرالي مليئ بالأخطاء فهو يذكر مثلا أن عدن كانت
مستعمرة مصرية قديمة ثم صارت مستعمرة رومانية قديمة ثم صارت مستعمرة حبشية قديمة ولم تكن لها أي
صلة باليمن إلا بالقرن السابع بعد الميلاد أي بعد ظهور الإسلام بمئة سنة وهذا كله كذب وافتراء .
وقد ذكر الموقع أيضا أن سلطان لحج وعدن قد تنازل عن عدن لبريطانيا، وهذا أيضا كذب وإفتراء، كما ذكر
الموقع أن سكان عدن عندما دخلها القبطان هنز غازيا سنة 1839 كانوا حوالي ستمئة شخص من الصيادين
الفقراء ... وهذا أيضا كذب وإفتراء ، لأنه يقول أن السكان قد زادوا من هذا العدد الضئيل الى 25 ألف خلال
ثلاث سنوات فقط
والواقع أن سكان عدن هربوا عندما هجمت بريطانيا بمدافعها الرهيبة على ميناء عدن (كريتر) وأحتلوها ثم بعد
أن إستقرت الامور عاد السكان الى بلدهم
ولن أطيل في تخرُّصات وأكاذيب هذا الموقع التاريخي التافه الذي تحدث عن عدن والذي أخذ منه خريجوا كلية
عدن هذا التاريخ المشوه وقد اوضحتُ تاريخ عدن في كتابي "عدن لؤلؤة اليمن " في ثلاثة اجزاء كاملة اصدار
كنوز المعرفة جدة 2012 !؟
وقد كان النظام التعليم الحكومي في عدن أربع سنوات ابتدائية وسبع سنوات ثانوية تنتهي بأخذ شهادة الثانوية
من جامعة كامبرج البريطانية، ولكن تم تغيير هذا النظام الى أربع سنوات إبتدائية وثلاث سنوات متوسطة ثم
أربع سنوات تنتهي بأخذ شهادة الثقافة العامة( GCE) من جامعة لندن، وبعدها سنتان للثانوية المتقدمة لدخول الجامعات في بريطانيا. وبناء على هذا النظام الجديد إفتتحت كلية عدن وبدأت أول دفعة من الطلبة في سبتمبر 1952. وكانت فكرة إقامة كلية عدن قد راودت السير برنارد رايلي الذي عمل في عدن في ثلاثينيات القرن العشرين كضابط سياسي ثم صار حاكما لمدينة عدن من سنة 1937الى سنة 1940، وسعى سعيا حثيثا لاقامة هذه الكلية التي كان يأمل أن تتحول إلى جامعة فيما بعد وقد اختير لها موقع ملاصق لدار سعد التابع لسلطنة لحج وتقع في أخر حدود مستعمرة عدن  وقد خصص لها 73 آيكر (فدان)، وطالت فترة المشروع حتى تم تنفيذه بالكامل عام 1952 بإشراف وتوجيه مستر كريستوفر كوكس المدير التعليمي المسؤول في ذلك الوقت في عدن وأفتتحت رسميا في 13 يناير 1953 بحضور السير كريستوفر كوكس وحاكم عدن السير توم هيكينبوثم
وقد بنيت بشكل حديث وفيها مباني الدراسة والمختبرات وقاعة كبيرة للمحاضرات والإحتفالات، وقاعة كبيرة
للطعام وعشرات الملاعب المختلفة بما فيها ملاعب الكرة والتنس الأرضي والبادمنتن وكرة الطائرة ومساكن
متعددة للطلبة الداخليين ومساكن للأساتذة المدرسين  وكانت مساكن الانجليز فخمة تليها مساكن الهنود
والمحليين
كانت الإمتحانات لدخول الكلية صعبة حتى ينتقوا الطلبة من كافة المدارس، كما خصصوا مقاعد للطلبة من
المحميات الذين أعطوا المساكن الداخلية
وكان في الكلية مكتبة جيدة ومسجد كبير للصلاة وقاعة مسرح ومحاضرات، وكان الطلبة يدرسون يوما كاملا
ويتناولون وجبة الغداء في الكلية، وخصصت فترة ما بعد الغداء لاداء الواجبات والأنشطة الرياضية والثقافية
وكانت الدراسة باللغة الانجليزية ماعدا اللغة العربية وأدبها، أما الدين فكانت دروسه ضئيلة جدا ولم يكن فيه
أي امتحانات
وكانت الإجازة الإسبوعية يوم الأحد فقط وبالتالي كان على الطلبة والأساتذة المسلمين العرب أن يقيموا صلاة
الجمعة في المسجد، وعادة ما يتولى أحد الأساتذة مثل السيد هاشم عبد الله أو الأستاذ ابراهيم روبلة (عدني من
أصل صومالي) أوغيرهما القاء خطبة الجمعة كما كان يلقيها بعض الطلبة الكبار، مثل قيس غانم وشهاب غانم
وغيرهما. وقد ألقيت خطبة جمعة  بعنوان " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " وأعتبرت أن أكبر منكر هو
الإستعمار ووجود بريطانيا في عدن ووجوب مقاومتها وإخراجها من عدن، وكانت خطبة الجمعة الوحيدة التي
ألقيتها في حياتي
وقد درّسنا في كلية عدن مجموعة من الأساتذة الفضلاء المحليين مثل أستاذ لطفي أمان وهاشم عبد الله و عبد
الله المحيرز وحسين الحبشي الذي كان بارعا في التربية الرياضية وابراهيم روبلة الذي صار فيما بعد أول مدير
عدني لكلية عدن
ومن البريطانيين مستر شربس الذي كان مدير الكلية والذي درسنا اللغة الانجليزية أيضا، ومستر فوكس الذي
درسنا الجغرافية، ومستر هنت الذي درسنا الرياضات وكان محبا للعرب وكثيرا ما يذكر إنجازاتهم في
الرياضيات، ومستر ميلر الايرلندي الذي درسنا الكيمياء خمس سنوات. وكان محبا للعرب ويذهب إلى المطاعم
العدنية ويجلس معهم وكانت زوجته أمينة المكتبة، على عكس أستاذ الفيزياء مستر رينولدز الذي درسنا
الفيزياء والذي كان يكره العرب ويحتقرهم .. ومستر كليفورد الذي درسنا تاريخ الإمبراطورية البريطانية ثلاث
سنوات والذي بدأ أول يوم في التدريس بكتابة تحيا ويلز فصفقنا له تصفيقا حارا .. ودرسنا اللغة والأدب
الإنجليزي مستر ماكنيل و مسترلاودن ، ومستر هول الذي تميز بخفة دمه وكثرة نكاته، وكان يتبادل النكات مع
أحد زملائنا الطلبة أبو بكر خليل
ودرّسنا اثنان من الأساتذة الهنود المسلمين هما : الأستاذ نظير(نذير) وكان بارعا في الرياضيات، والذي كان
يردد الرياضيات ليست ألاعيب وشعوذة  والأستاذ شلوان الذي درسنا الأحياء، وفي السنة الأخيرة كان يأخذنا إلى بستان الكمسري القريب من الكلية ومعنا مكروسكوبات صغيرة لندرس النباتات هناك
كنت أحرص على الذهاب إلى المكتبة في أي وقت فراغ أجده، بالإضافة إلى حصة المكتبة الأسبوعية، وكثيرا ما
أتهرب من حصة الرياضة وكرة القدم وأذهب بدلا عنها إلى المكتبة، وقد قرأت فيها كتاب العقد الفريد لابن عبد
ربه الأندلسي وهو كتاب ضخم وغير مسموح إستعارته. وقرأته كله خلال سنتين
وقد حدثت عدت حوادث في كلية عدن أهما بالنسبة لي 
أ- أعز اصدقائي في تلك الفترة حسن سعيد العمودي قد صدمته سيارة الأوتوبيس التي كنت فيها عند عودتنا من
الكلية إلى منازلنا ، وقد خرج من الأوتوبيس الذي يتقدمنا وقطع الطريق فصدمه الاتوبيس الذي كنا فيه أنا وأخي
 وكانت صدمة كبيرة لنا فهو صديق وجار لناوظللت فترة أزور قبره كل يوم تقريبا، واقرأ له الفاتحة وما تيسر
من القرآن، وكنت أشاهد شابا يقف أمام قبر أخر أيضا، كلما جئت لأزور قبر صديقي، وقد عرفت فيما بعد أنه هو
السيد عيدروس عبدو باهارون الذي فقد زوجته الشابة التي كان يحبها، وظل فترة طويلة يداوم على زيارة قبرها
والدعاء لها ... ثم تزوج أخوه الأصغر حسن باهارون من أختي أسماء وتوطدت العلاقة بين الأسرتين
ب - قام الطلبة الداخليون في كلية عدن بالاضراب بسبب رداءة الطعام الذي يقدم لهم وخاصة في شهر رمضان
ولم تسمع الإدارة شكواهم  بل أرادت معاقبتهم، وكان قد أستلم الإدارة مدير انجليزي جديد هو المستر
بورتشيس، وتضامن كثير من الطلبة مع زملائهم المضربين  وكنت أنا وأخي ضمن هؤلاء المتضامنين. وأثرنا
الصحافة المحلية ضد هذه الإدارة المتعجرفة واضربنا نحن أيضا عن الدراسة، وعندما هدأت الامور أصر مدير
المدرسة الانجليزي على معاقبة الطلبة المضربين بالضرب، ومنهم أخي أحمد، فرفض الوالد وبدأت مجموعة
من الطلبة بالذهاب إلى مصر للدراسة فيها التي فتحت أبواب مدارسها لهم، وكانت الحركة الوطنية قد إشتد
عودها وكثرت الأضرابات العمالية والمظاهرات الوطنية ضد بريطانيا في عدن. كما قامت بريطانيا بمهاجمة
رابطة أبناء الجنوب الذين هرب معظم زعمائها إلى مصر كما هاجمت النقابات العمالية التي كانت تقوم
بالاضرابات المتتالية، وكانت الصحافة المحلية في تلك الفترة تشدد الهجوم على سياسة  القمع البريطانية، كان
أبرز الصحفيين في تلك الفترة عبد الله باذيب وأخوه علي باذيب وصديقهم باخبيرة، ثم قامت الحكومة البريطانية
في عدن بمحاكمة عبد الله باذيب وخرجت مظاهرات حاشدة ضد هذه المحاكمة، واضطرت المحكمة إلى السماح
له بالسفر إلى صنعاء ومنها إلى روسيا
ج - وإشتركت مع مجموعة من الطلبة في الكلية بإجاد تيار مضاد للحكومة الإستعمارية في عدن، وكنت أكتب
العديد من المقالات في صحيفة الجنوب العربي وغيرها ضد السياسة الإستعمارية البريطانية باسم مستعار
ح - بعد حرب السويس عام 1956 والعدوان الثلاثي على مصر من قبل بريطانيا وفرنسا واسرائيل، هاجت
الجماهير وقامت في مظاهرات عدة واشترك فيها كثير من الطلبة، وعندما عادت إحدى المدمرات التي إشتركت
بالحرب إلى ميناء عدن، رتبت إدارة المدرسة زيارة هذه المدمرة للطلبة، وطلبت إذنا بمقابلة قبطان المدمرة أو
نائبه لأخذ حديث صحفي معه، وقد قمت بأخذ حديث صحفي طويل مع نائب القبطان  عن هذه المعركة
وتفاصيلهاوكتبته في صحيفة حائطية في المدرسة (باللغة الانجليزية)، وقد صدرت هذه الصحيفة بالتعاون مع
بعض الزملاء مثل محمد عاصم وعمر الشاطري وأبو بكر القربي وغيرهم، وكان العدد كله هجوما على
السياسة الاستعمارية البريطانية  وقامت ادارة المدرسة بمنع الصحيفة وإزالتها
وللإنصاف فإن إدراة المدرسة كانت تسمح بإنتخاب الطلبة الذين سيديرون المقصف وأنشطة المدرسة الأخرى،
كما أن هناك جمعية عمومية للطلبة لمناقشة هؤلاء الممثلين للطلبة وتدربهم على النظام الديمقراطي
 كان طلبة الكلية من جميع الجنسيات من العرب والصومال والهندوس وبعض الفرس (البارسي) الزرادشت
وبعض اليهود وقليل من النصارى وكان الجميع يعيشون في جو ودي، وكان أحد اصدقائي من هؤلاء البارسي
وكان أبوه مديرا لمكتب الصحة العامة  وهو الدكتور هودي والا وله بيت جميل مطل على
بحر صيرة، وكان يدعوني الى هذا البيت عدة مرات، كما كان لي صديق من جوا (الهند) وهي منطقة استعمرها
البرتغاليون، وفرضوا على أهلها الكاثوليكية، وكان هو كاثوليكي ايضا. كما كان في الكلية اثنان من ابناء يهود
عدن وكانوا زملاء لمحمد عاصم وابو بكر القربي وأحمد جرجرة، (وهم بعدي بسنتين) ، وكانوا هم آخر من بقي
من اليهود في عدن
في السنة الرابعة كان علينا أن نتقدم لإمتحان الشهادة الثانوية (الثقافة العامةالتي تنظمها جامعة
لندن، وفي تلك الفترة كان والدي قد سافر إلى مصر وإستقر فيها، كما أن أخي أحمد قد سبق للدراسة في مصر
وإستقر فيها كما أسلفنا، وكان عمي عبد القادر قد ذهب للعمل في السعودية، وكنت أنا مسؤول عن البيت والعمل
، وترك لي والدي أن أسحب من البنك ما أحتاجه من المصاريف، وفي هذه الفترة لم أهتم بالدراسة كثيرا رغم
استمراري في قراءة الكتب المختلفة، ومع كثرة خروجي مع الزملاء بعد العودة من الكلية الى البحر  وكنا
نتناول العشاء في مطاعم عدن المختلفة، وكانت من أسعد الأيام في فترة الشباب، ومن حسن حظي أن جاء
والدي قبل الإمتحانات بشهرين، وكانت سياسة والدي التشجيع وإبداء ثقته التامة بقدرتي على الحصول على
أعلى الدرجات، فما كان مني إلا أن راسلت جامعة لندن وطلبت منهم إرسال كتب الأسئلة  والأجوبة للمواد
المطلوبة للدراسة، واختفيت عن اصدقائي لمدة شهر ونصف معتكفا في دراسة هذه الكتيبات، ودخلت الامتحان
ونجحت فيه بثمان مواد فتم قبولي للدراسة في المستوى العالي
في أثناء إنتظار ظهور النتائج إشتغلت في أحد البنوك برغم أني لم أكن واثقا بنجاحي، وأفادتني هذه التجربة حيث تعرفت على أنظمة البنوك إلى حد ما، وبدأت بالإهتمام بالإقتصاد، وبعد أن ظهرت النتائج ودخلت الصف الخامس مع المجموعة التي ستذهب الى دراسة الطب، دخلت إمتحان الثقافة العامة في الكيمياء التي لم أنجح فيها من أول مرة ومادة الإقتصاد ومادة الرسم، ونجحت في هذه المواد جميعا، وكنت أول من نجح في عدن في إحدى عشرة مادة (في المستوى العادي)، ولكن جاء من بعدي صديقي ابو بكر القربي ونجح أيضا في إحدى عشرة مادة  لكن بترتيب أعلى . ثم جاء بعده عصام غانم ونال احد عشر موضوعا في المستوى العادي
وقد قامت كلية عدن منذ إفتتاحها في يناير 1953 إلى ما بعد الاستقلال الذي تم في نوفمبر 1967 بتخريج إحدى
عشرة دفعة من الطلبة بلغ عددهم أكثر من تسعمئة طالب الذين درس كثير منهم في الجامعات المختلفة وصار
منهم أطباء ومحامون وإقتصاديون ووزراء ووكلاء وزارات
وكان من زملائي مجموعة من أمثال عبد العزيز عبد الغني رحمه الله الذي تولى الوزارة في الجمهورية اليمنية
عدة مرات، ومنهم صديقي العزيز الدكتور أبو بكر القربي الذي تولى وزارة التعليم العالي ثم وزارة الخارجية
عدة مرات، ومنهم صديقي العزيز الأستاذ عبد الله عقبة الذي تولى وزارة الثقافة كما كان مستشارا لرئيس
الجمهورية قحطان الشعبي، وتولى أخوه خالد عقبة منصبا هاما في الدولة (إدارة التعليم)، كما تولى صديقي
العزيز الدكتور شهاب غانم منصب نائب وزير الأشغال، وتولى زميلي الأستاذ عادل محفوظ خليفة وزارة العدل
في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وتولى الزميل عبد القوي  رشاد الشعبي منصب الأمين الدائم لوزارة
الخارجية، كما تولى قريبه وزميلي وصديقي حميد الشعبي منصب وزير الزراعة ووزير التعليم، وتولى زميلنا
أنيس حسن يحيى منصب وزير في الجمهورية الديمقراطية الشعبية، وتولى صديقي محمد الخادم غالب منصب
وزارية في اليمن الشمالي، وتولى محمد علي هيثم الذي لم يكن في دفعتنا منصب رئيس مجلس الوزراء، وتولى
الدكتور عبد الله ناشر وزارة الصحة وقام بمجهودات كبيرة لتحسين الخدمات الصحية في الجمهورية الديمقراطية
الشعبية ولم يكن من دفعتنا بل كان من الدفعات التي بعدنا
وللأسف توقفت كلية عدن عن دورها في فترة ما بعد الإستقلال ثم تحولت إلى ثانوية للبنات ولم يعد لها ذلك
الدور الهام في مجال التعليم كما كان متوقعا لها

أستاذي لطفي جعفر أمان
 درسني الاستاذ لطفي جعفر أمان في المرحلة الابتدائية (السنة الرابعة) ثم في المرحلة الاعدادية (ثلاث
سنوات) ثم في كلية عدن الثانوية العالية (اربع سنوات) تقريبا
اسرة آل أمان هي احدى الاسر المكية التي هاجرت الى عدن منذ فترة طويلة واستقرت فيها وصارت احدى
الاسر العدنية المعروفة والمرموقة. ولد استاذ لطفي بمدينة كريتر (عدن) في حافة القاضي بتاريخ 12مايو
1928م . وهي نفس الحارة التي ولدت فيها، وبيتنا قريب من بيت الاستاذ لطفي. كما ان الفنان احمد بن أحمد
قاسم ولد في نفس الحارة (حافة القاضي) !؟
درس الاستاذ لطفي المرحلتين الابتدائية والمتوسطة (الإعدادية) في عدن ثم أكمل دراسة المرحلة الثانوية في
الخرطوم والتحق بجامعة الخرطوم ونال دبلوماً في التربية، ثم عاد الى عدن وصار استاذا في المدرسة الابتدائية
للسنة الرابعة الابتدائي وذلك سنة (1951-1952م) وهي السنة التي كنت فيها في السنة الرابعة
وقد أذهلني واذهل الطلاب برقته المتناهية وكان يحمل في جيبه من الحلويات والبسكويت ليعطي الطالب الذي
يجيب اجابة صحيحة بعض هذه الحلويات، ولم يستخدم قط اي وسيلة عنف حتى العنف اللفظي او التوبيخ الشديد
بل كان في منتهى الرقة مع الطلبة، وهو أمر لم نتعود عليه من اساتذتنا السابقين الذين كانوا يستخدمون العنف
اللفظي والضرب بالمسطرة أحيانا أخرى 
وقد تمييز لطفي بتشجيع الطلبة الى درجة انه كان ينشر مواضيع الانشاء التي يطلبها من الطلبة في احدى
الصحف المحلية تشجيعا لهم، واذكر انه قد طلب من الفصل كتابة موضوع انشاء عن الشخصية التي تعتبرها
مثلك الاعلى، فكتبت ان المثل الاعلى لكل مسلم هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن شخصية الرسول في
الافق الاعلى ومن الصعوبة احتذاءها. وقد اخترت شخصية والدي كمثل أعلى لي، فسر الاستاذ لطفي بذلك
وتشجيعا لي نشر هذا الموضوع في الصحيفة المحلية
 وكان الاستاذ لطفي يستخدم قدراته اللغوية والرسم في توضيح ما يريد ايصاله الى الطلبة ومما أذكره جيدا
تصويره بالتمثيل والنبرات قصة اصحاب الجنة التي وردت في القرآن الكريم في سورة القلم { إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا
 يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ
مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا
عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ
أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا
تُسَبِّحُونَ(28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ
بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ(30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا
كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَىٰ رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَٰلِكَ
الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) } وقص علينا الاستاذ لطفي ونحن مبهورون، قصة هؤلاء النفر الذين ورثوا الجنة من
ابيهم والذي كان يخرج نصيب الفقراء والمساكين عندما يجمع الثمار، فلما مات الاب اجتمع الابناء وقرروا سرا
أن يحرموا الفقراء والمساكين من نصيبهم، وذهبوا يتخافتون، فلما رأوها صدموا ووجدوها محروقة سوداء
فظنوا انهم أخطأوا الطريق، ولكنهم تأكدوا انها هي جنته التي ارسل الله عليها ليلا ما جعلها محروقة كالصريم 
فبدأوا يتلاومون يلوم كل واحد الاخر واعترفوا بخطأهم وعرفوا فضل أبيهم، ودعوا الله ان يبدلهم خيرا منها بعد
ان تابوا وقرروا ان لا يحرموا الفقراء من نصيبهم
  وقد استطاع الاستاذ لطفي ان يفهمنا نحن الصغار هذه القصة الرائعة، وان يصور لنا بصوته وحركاته كيف
كانوا يدبرون وكيف كانوا يتخافتون ويهمسون، ويقررون حرمان الفقراء والمساكين من نصيبهم . وان الله
عاقبهم بحرمانهم من الجنة كلها. واستطاع الاستاذ لطفي ان يفهمنا شيئين، الاول : البعد عن الانانية وعدم
حرمان الفقراء من نصيبهم في الثروة الموجودة، وثانيا : هذا التصوير الفني الجميل الرائع في القرآن الكريم
واذكر في مرحلة لاحقة وهو يدرسنا البلاغة (المرحلة الثانوية) قصة الخضر مع سيدنا موسى في قوله
تعالى  { فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } [الكهف : 77] فشرح لنا الاستاذ لطفي كيف جعل القرآن الكريم لهذا
الجدار المتهالك ارادة حتى انه اراد ان ينقض فأقامه الخضر واعاده الى وضعه الطبيعي لانه يحتوي على كنز
الغلامين اليتيمين في اهل قرية ظلمة يأكلون مال الايتام 
وقد جعلني الاستاذ لطفي محبا للشاعر علي محمود طه واشتري دواوينه منذ المرحلة المتوسطة كما جعلني أحب
الرسم وشجعني على ذلك
ودرسني استاذ لطفي في المرحلة المتوسطة اللغة العربية واللغة الانجليزية التي كان أيضا يتقنها اتقانا
تاما وفي الثانوية. في كلية عدن درسني أيضا الادب الانجليزي والتاريخ، ومن ذلك تاريخ الامبراطورية البريطانية قبل ان يتسلمها منه الاستاذ كليفورد الذي أتى من ويلز ببريطانيا. وكنت قد اقترحت على الاستاذ
لطفي تدريسنا الثورة الفرنسية لانني كنت قد قرأت كتابا كاملا عنها فأعجبت بها، وبالفعل قام الاستاذ لطفي بالاتصال بالادارة التي وافقت بعد شهر بتدريس الثورة الفرنسية وهذا يدل على حكمة الاستاذ لطفي واستطاعته ان يقنع ادارة المدرسة وادارة التعليم بالسماح بتدريس الثورة الفرنسية وهذا يدل ايضا على سعة أفق ادارة المدرسة والادارة التعليمية في ذلك الوقت والتي كانت بيد الانجليز
وقد وجدت قصيدة رائعة للاستاذ لطفي عن هجرة السيدة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة
والتي تعرضت فيها الى اعتداء من احد المجرمين فقال لطفي قصيدته بعنوان " مصرع زينب بنت الرسول
الأعظم"!؟
الليل ملتحفٌ بجبته المهيبة بالسواد
أحداقه العمياء تدفن في مغاورها الوهاد
فالبيد غرقى دلجة قد كفنتها بالحداد
أبنيتي.. يرعاك ربي
هذا نداء الشوق ملحاحا يناديك قلبي
ستضاء يثرب كلها إذ ألقاك جنبي
وتتوه في نظراتها الصحراء والظلم الرهيبه
شيء يجلجل في حناياها ويعصف كالرياح
شيء تحس لهوله ولجنبها وقع الرماح
هي لحظة وكأنما الصحراء إعصار ونار
الركب منفرط.. وضوضاء.. ومعركة تدار
هي لحظة والموت يضرب باليمين واليسار
مرقت غواية الحقد بهبة الجاني "هبار"
يا رب! من؟ وانهدّ هودجها كما انهد النهار
وأريق أطهر ما يراق من الدماء على القفار
وينكفئ النبي على مدامعه الغزار
وتنوء بالحزن الثقيل مطية الليل البهيم
ويطل يوم لا جديد فيه تبلله الدموع
وكأنما انتفض النهار
لما أطل ملثما وكأنه شبح أغار
حسر اللثام مروعا فإذا به الجاني هبار
أمحمد هذه قناتي
أحسم بظباتها حياتي
أو فاعف عني يا رسول الله للإثم الجسيم
فاهتز روح القدس في أعطاف أكرم من كريم
وَسَخَا النبي بعفوه في لحظة الضعف العظيم
هذه القصيدة الرائعة وتنبئ عن محبة لطفي للرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته، واطلاعه على السيرة
النبوية بصورة مذهلة
وقد كانت زينب رضي الله عنها قد تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع وكان محبا لها ومكرما لها رغم انه
بقي على دينه ولم يسلم   وبعد هجرة النبي محمد إلى المدينة المنورة، خرج أبو العاص مع قريش في معركة
بدر (السنة الثانية من الهجرة)، وبقيت زوجته زينب في مكة، ووقع أبو العاص أسيرًا بأيدي المسلمين، ولما
أرسل أهل مكة الأموال في فداء أسراهم، أرسلت زينب في فداءه بقلادة كانت لها من أمّها خديجة بنت خويلد،
فتأثر النبي محمد لذلك، وقال لأصحابه الذين أسروه: إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها وتردُّوا عليها مالها
فافعالوا، فأطلقوا سراحه وردّوا مالها. وقد كان النبي محمد قد اشترط على أبي العاص أن يخلّي سبيلها ويأذن لها بالهجرة إلى المدينة المنورة، فوفّى بذلك
وقد انجبت السيدة زينب رضي الله عنها لابي العاص ولدا اسمه علي، توافاه الله صغيرا، وبنتا اسمها أمامة وهي
التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحملها على عاتقه في صلاته . ثم لما كبرت أمامة تزوجها الامام علي
بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة عليها السلام، ثم تزوجت بعد وفاته رجل أخر
وارسلها زوجها الى المدينة المنورة وفي الطريق خرج عليها هبار بن الأسود وآخر اسمه نَافِع بن عبد قيس،
فأخافها هبّار برمح له وهي في الهودج، وتذكر الروايات أنّها كانت حاملاً، فلمّا خافت أسقطت حملها
وقد أرسل النبي محمد لاحقا سرية لقتل هبّار ونافع. وذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري شرح
صحيح البخاري (ج8 /11 طبعة دار المعرفة – بيروت 1379): "وأما هبار فكان شديد الاذى للمسلمين
وعرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجرت فنخس بعيرها فاسقطت ولم يزل ذلك المرض بها
حتى ماتت فلما كان يوم الفتح بعد ان اهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه اعلن اسلامه فقبل منه فعفا عنه" !؟
 واسلم زوجها أبو العاص بعد ذلك وأقام في المدينة وبقيت معه في المدينة الى السنة الثامنة للهجرة الى ان
توفيت متأثرة كما يقال بحادثة الاسقاط 
وقد تأثر لطفي جعفر امان بتيار الشعر الرومانسي في الأدب العربي عموماً ومن خلال اطلاعه على أعمال
ممثلي ذلك التيار أمثال علي محمود طه وإبراهيم ناجي والتيجاني يوسف بشير وشعراء المهجر وغيرهم تشبع
بالقيم الجمالية والفنية للرومانسية واخذ يتمثلها في شعره وبالذات في أعماله الشعرية الأولى (في ديوانه بقايا نغم). وقد شكل لطفي خلال فترة الخمسينيات والستينيات مع الفنان الراحل احمد بن احمد قاسم ثنائيأ فنياً كان له دوره وتأثيره في نهضة الأغنية العدنية على وجه الخصوص والأغنية اليمنية بصورة عامة. وغنّى له معظم الفنانين في عدن واليمن
وكان للطفي دواوين شعرية كثيرة هي:
بقايا نغم /1948م
الدرب الأخضر /1962م
كانت لنا أيام /1962م
ليل الى متى /1964م
اليكم يااخوتي /1969م
الى الفدائيين في فلسطين /1969م
موكب الثورة (ملحمة شعرية ) /1969م 
وله مجموعتان من الاغاني العدنية هما : ليالي واعيش لك
 وقد طبعت أعماله الكاملة في جزءين عام 1997 م
ومن أشهر قصائده: قصيدة يا بلادي
يابلادي
اقفزي من قمة الطود لأعلى الشهب
وادفعي في موكب النور مطايا السحب
وستقلي كوكبا يزهو بأسنى موكب
فلقد مزقت عن نفسي كثيف الحجب
ولقد حطمت أصنام الدجى المنتحب
وهوى البرج على أوهامه والكذب
وانبرت بي في المدى أجنحة من لهب
تزرع الأضواء في جفن الليالي المتعب
وتنيل الجدب من شؤبوبها المنسكب
*****
يا بلادي لم اعد أسطورة في الكتب
لم اعد من ألف (ليلة) ليلة من عجب
لم اعد أنقاض مجد في ضمير الحقب
لم اعد ادفن دمعي في رغام الغيهب
لم اعد طيف خيال بالرؤى مختضب
أو أنينا راعف الجرح بصدر مجدب
أو نشيدا مخجلا يضحك منه الأجنبي
أشرق المسعى فللنور شذى من مطلبي
والسنا يغمر أفقي وطريقي الذهبي
*****
يا بلادي .. يا نداء هادرا يعصف بي
يا بلادي .. يا ثرى جدي وابني وأبي
يا رحيبا من وجودي .. لوجود أرحب
يا كنوزا لا تساويها كنوز الذهب
اقفزي من ذروة الطود لأعلى الشهب
اقفزي .. فالمجد بسام السنا عن كثب
اقفزي .. فالمجد ما دان لمن لم يثب
****
يا بلادي كلما أبصرت (شمسان) الأبي
شاهقا في كبرياء حرة لم تغلبي
صحت يا للمجد في أسمى معالي الرتب
يا لصنعاء انتفاضات صدى في يثرب
يا لبغداد التي تهفو لنجوى حلب
يا لأوراس لظى في ليبيا والمغرب
يا لأرض القدس يحمي قدسها ألف نبي
يا لنهر النيل يروي كل قلب عربي
فأملاي كأسك من فيض دمائي واشربي
يا بلادي .. يا بلادي يا بلاد العرب

بالاضافة الى شعر لطفي الرومنسي والعاطفي فإن له اسهاما كبيرا في مكافحة الاستعمار والاشادة في الثورة
ضد الانجليز وله ديوان كامل في تأييد الثورة والكفاح بعنوان "موكب الثورة (وهوملحمة شعرية) "، كما أن له
ديوانا كاملا في تأييد الكفاح الفلسطيني ضد الصهاينة بعنوان  الى الفدائيين في فلسطين
وأشاد بالثورة التي أطاحت بالحكم الاستعماري وله قصائد كثيرة عندما انتصرت الثورة على الاستعمار وانسحب
الانجليز من عدن ومنها القصيدة التالية بلادي حرة
تجلى الصباح لأول مرة
وطار الفضاء طليقاً رحيباً
بأجنحة النور ينساب ثرة
وقبلت الشمس سمر الجباه
وقد عقدوا النصر من بعد ثورة
وغنى لنا مهرجان الزمان
بأعياد وحدتنا المستقرة
واقبل يزهو ربيع الخلود
وموكب ثورتنا الضخم أثره
تزين أكليله ألف زهرة
وينشر من دمنا الحر عطره
ويرسم فوق اللواء الخفوق
حروفاً تضيء لأول مرة
بلادي حرة

وله قصيدة اخرى بعنوان "المهرجان الأكبر" القاها بنفسه بصوته الرخيم والقائه الجميل وهي مسجلة على
الرابط التالي
https://www.youtube.com/watch?v=KDHrFADLcWQ

ورغم انتشار القصائد الوطنية للاستاذ لطفي الا ان الجبهة القومية اتهمت لطفي في احدى المراحل بالتجسس
عليها وتم اعتقاله بالفعل وذلك قبل الاستقلال، ولكن بفضل الله عرف أحد تلاميذ الاستاذ لطفي، وهو عبد الملك
اسماعيل  الذي كان أحد الأعضاء القيادين في الجبهة القومية فاعترض على ذلك وذهب الى السجن واخرج
لطفي من السجن بعد ان مكث فيه شهرا كاملا . وقد تبين لهم ان تلك التهمة كانت باطلة
وقد ذهبت انا واخي الدكتور احمد علي البار لزيارة استاذنا لطفي في الشقة التي كنا فيها قبل ان يسكنها لطفي
وهي على ساحل صيرة لم يفتح لنا الا بعد تردد والنظر في العين السحرية ولما فتح وجدنا لطفي حاملا مسدسا
كبيرا (revolver) (فصحنا ما هذا يا استاذ ؟ فرد علينا : مش شايفين كل واحد ماشي بالبندقية والمدفع وانا
خايف ان يهجم علي واحد من هؤلاء الاوغاد) وهذا كان قبل الاستقلال بفترة وجيزة عندما احتدم الصراع بين
الجبهة القومية وجبهة التحرير الوطنية
ويقول د . احمد علي الهمداني عن شعرلطفي السياسي والوطني :" الشاعر لطفي أمان المثقف ثقافة عالية لم
يكن يتحرك مع هذه الأحداث تحركاً أعمى وإنما كان يعيش هذه الأحداث التي رآها قد غيرت في حاصل الوعي
الوطني والاجتماعي في مجتمعه. ويقيني أن القناعة الصادقة هي التي جعلت هذا الشاعر يتفهم عن دراية
ومعرفة أوضاع الحياة والناس في بلاده فأرسل قيثارته الشجية تردد أغاني الوطن وأناشيد الحب للإنسان
والأرض. فالشاعر الكبير لا تحركه الأحداث وإنما هو يتحرك في داخل هذه الأحداث ويهبها من حرارة موهبته

الحياة التي تعبر عن صدق الوطن وعمق الوطنية"!؟
ومنها قصيدة يا مزهري الحزين 
يا مزهري الحزين؟
من يرعش الحنين؟
إلى ملاعب الصبا .. و حبنا الدفين؟
هناك .. حيث رفرفت
عــلى جــناح لهونــــا
أعذب ساعات السنين

يا مزهري الحزين
يامزهري الحزين
الذكريات .. الذكريات
تعـيدني في مركب الاحلام للحــياة
لنشوة الضياء في مواسم الزهــور
يستل من شفاهها الرحيق والعطور
وبعد هذا كله
في صحوة الحقيقه
ينتفض الواقع في دقيقه
يهزني
يشـد أوتـــادي الى آبــاري العميقــة
يشدهـا .. يجذب منها ثورتي العريقـة
ويغرق الأوهام من مشاعري الرقيقة
ويخلق الإنسان مني وثبة وقدرة
عواصفا وثورة
هنا .. هنا
إذ زمجـرت رياحـنا الحمـــراء
تقتلع القصور من منابت الثراء
وتزرع الضياء
وتغدق الغذاء .. والكساء والدواء
عــلى الذين آمــنوا بأنهم أحــياء
وخيرة الأحياء
في الحقل
في المصنع
وفي كل بناء
يا مزهري الحزين
يا مزهري الحزين
يا مزهري الضعيف
ما عاد شعبي ينسج الأوهام في لحن سخيف
عــن قيــــس ليلـى ...  رومـيو جولـيت
أسماء كثيرة
دبت .. دبيب النحل في أسفارنا المثـــــــيرة
دبت بنا بحملة الأفيون في سفن خطـــــيرة
كي توهم الدنيا بأنا أمة الوهم الحقيرة
لكننـــــــــا .. يــا مـزهـري المحـــــزون
يـا ضعيف
نبــني .. نحيلك انت من وترٍ حريريٍّ رهيف
مستضعف باك
الى وثب .. الى ضرب عنيف
كـي يشهد المستعمرون بانــــنا حقا نخـــيف
لا لا لن نخاف
أو أن نموت مع الضعاف
اسمع إذا مني
ووقع لحن قصتي الجديد
وابعث به في مركب الشمس العتيده للخلود
اسمع.. أنا من قبل قرن أو يزيد
قرن وربع القرن بل اكثر من عمري المديد
كانت بلادي هذه ملكي انا
ملكي انا
خــــيراتها مـني ومن خــيراتها أحــيا أنــا
كانت وما زالت
وهذي قصتي فانصت لنا
في ليلة مسعورة موتورة الظلماء
أوفت الى شواطئي مراكب الاعداء
يقودها القبطان هنس انجليزي حقير
يقرصن البحر الشهي
وجيفة من الضمير
هذا الحقير
أرسى هنا
ومد عينيه الينا في اشتهاء
ونسج المزاعم النكراء في دهاء
مدعيا ان جدودي هاجموا سفائنه
ونهبوا خزائنه
وأننا بكلمة غريبة قراصنه
تصوروا.. نحن إذا قراصنه
وهكذا انداح له الغزو الى اقصى الحدود
ودنس البلاد بالجنود والنقود
وبذر القلاقل
وفرق القبائل
ولملم الدجى على أطرافه يصول
يمد من أطماعه مخالب المغول
لكننا على المدى
منذ احتلال ارضنا كنا يدا
يدا تصافح الرفيق في الكفاح لا العدا
وقطعة الرغيف
والمبدأ الشريف
زادان كانا كافيين للبقاء
فنحن شعب لا ينال الضيم منا ما يشاء
هاماتنا فيها من الشمس بريق الكبريـاء
لا نعرف الدموع
إلا وأن نحيلها دمـاء
تعلو على ضفافها بواسـق الإبـــــــاء
وكلما مــرت بنا أعوامـــنا الطويلـــــة
نغرس من ثورتنا بذورنا الاصــــــيلة
في كـل جــــيل صـاعد يؤمـن بالضــياء
بالأرض بالمعـول بالســـــلاح بالبنــــاء
ومـن هنـا تصلبـت عقـــيدة الســـــــلاح
ونحن منذ خلقنا نعرف ما معنى السـلاح
نعرفـه ونرضع الاطفال منـه للكفـــــــاح
ونصـنع الرصاص مـن مــرارة الألـــــم
وننتشي نرتقــب الفجر الجديـد في شمــم
حـتى بيوتنا التي طلاؤها الغبار حيث عم
ترمي على سيمائنا ظلالها وتبتسم
وانتفض الزمان
دقت السويعة الأخيرة
فاندفعت جموعنا غفيرة غفــــيرة
تهز معجزاتها في روعة المسيرة
وجلجـلت ثورتـنا تهـيب بالابطال
الزحف يا رجال
الزحف والنضال
فكلنا حريه تحن للقتال
وهـكـذا تفجـر البركـــان في ردفان
ورددت هديره الجبال في شمســـــــان
وانطلقـت ثورتنــا مــاردة النــــــيران
تضئ من شرارها حرية الاوطــــــان
وتقصف العروش في معاقل الطغيان
وتدفع الجياع في مسيرة الانســــــان
يشدهم للشمس نصر يبهر الزمــــان
وهكذا تبــددا
عهد من الطغيان لن يجددا
وحلقــت عـــلى المـــــدى
ثورتـــنا تهتف فينا أبــــدا
يا عيدنا المخلدا
غرد
فان الكون من حولي طليقا غردا
غرد على الأفنان في ملاعب الجنان
الشعب لن يستعبدا
الشعب لن يستعبدا
قد نال حريته بالدم والنيران
وقتل القرصان

وعاش لطفي حياة حافلة مليئة بالاحداث متأثرا ومؤثرا فيها رغم قصر حياته، ووفاته في سن
النضوج (43 سنة). وقد شغل لطفي بعد تخرجه من الجامعة وعمله بالتدريس عدة وظائف في مجال التربية
والتعليم، فقد عمل محاضراً في مركز تدريب المعلمين ومفتشاً في المدارس، فضابطاً للمعارف ومسؤولاً عن
المطبوعات والنشر، فمديراً للتربية والتعليم ثم وكيلاً لوزارة التربية والتعليم حتى وفاته. والى جانب عمله في
التربية والتعليم فقد عمل كمذيع في إذاعة عدن عند تأسيسها
وفي الفترة الأخيرة من حياته عانى لطفي من المرض فنقل الى القاهرة للعلاج غير انه توفي
في 16ديسمبر 1971 في مستشفى القوات المسلحة بالمعادي في القاهرة. رحمه الله رحمة الابرار

ررودود الفعل الايجابي

اخي الحبيب محمد حفظه الله

ما ادق ذكرياتك ولها نكهة خاصة بالنمؤ والعيش والدراسة واللعب والطفولة الجميلة في محيط عدن
لقد اعدت لي ذكريات طفوله وسن مراهقة كانت بدأت تندثر من الذاكرة. فمن ذكرياتك اكدت ان السيد
عبدالله (احمد محمد} خدشي استأجر الدور الارضي لمنزلكم. وهنا تذكرت انا جيداً تلك الغرفة. فقد كنت ازور
خالي عبدلله خدشي مرة في الاسبوع لاحضر ندواته الفنية (قات وغناء ولعب على العود) هناك وانذاك في تلك
الغرفة كنت التقي بالفنان عمر محفوظ غابه واخرين واصدقاء خالي اخو امي امنه احمد محمد الخدشي كما
وكنت ازور والدتهم جدتي القابلة مريم عبيد رحمهم الله جميعاً
شكراً جزيلاً اخي محمد ارسالك لي هذه الذكريات الجميلة
وتسلم
اخوك عادل عولقي

الشيخ العلامة د. محمد علي البار حفظه الله
تابعت باهتمام بالغ ذكرياتك والخواطر التي كتبتها عن كلية عدن. ومما رعى إنتباهي أن حصة الدين كانت
تدرس لنامرة في الاسبوع. وكنا في الصف الاول وكنت مع بقية الاصدقاء وزملاء الدراسة في الصف الثالث
في الكلية. وأما عن شطط مدير الكلية المستر بورتششيس الذي كان حازماً في إدارة الكلية فقد أمر بضربنا
امام أعين أبائنا في الكلية بالخيزران في الموخرة وكان معنا أحمد جرجرة رحمة الله عليه، أبوبكر عبدالله
القربي و محمد عاصم و لا أتدكر البقية والسبب أننا قمنا بالاشتراك في مظاهرة جماهيرية خلال الهجوم
الشرس على مصر عام 56
أشرف جرجره

BuiltWithNOF
[Home] [About Site] [Aden History] [College History] [Memorable  days] [Memorable1] [Memorable2] [Memorable3] [Memorable4] [Memorable 5] [Memorable 6] [Memorable 7] [Phenomenon] [AC Archives] [Photo Albums] [News] [Events] [Quotations] [Publications] [Presentations] [Feed Back] [Abroad] [Obituary] [Association] [Contact us] [Past updates]

Copyright © 2009 Aden College  webmaster

 

hitwebcounter.com