Aden crown flag

Dhow symbol which was incorporated into the Union Jack
to form Aden Colony flag.

Canadian time

 

Founder
Dr. A. Al Sayyari
(Saudi Arabia)


Editors:
Dr. Shihab Ghanem
(UAE)

Ashraf Girgrah, B.A. B.Ed
(Canada)


Design :
Ashraf Girgrah

 

New AC final logo2

Last update June 2020  التحديث الاخير في
Contact address: admin@adencollege.info عنوان الاتصال

المؤسس
الدكتور عبدالله السياري
(السعودية)

أسرة التحرير
الدكتور شهاب غانم
(ألامارات المتحدة)
أشرف جرجره
ب.ع. آداب، ب.ع. تدريس
(كندا)


التصميم
أشرف جرجره

site search by freefind advanced

 

أيامي الاولى في ارض اجنبيه - الجزء 11
Mobile Library by Al Sayyariفي ذكرى المكتبة المتنقلة التي اثرت على طفولتي كثيراً
عبد الله احمد السياري

قال السيد العجوز للدكتور برينت،" لقد احضرت لك هدية. تعال معي الى خارج العيادة لأعيطها لك". العجوز هذا يبدو في الثمانينات من عمره يرتدي معطفاً واقاً من المطر واحذية "ولنجتون" تصلان الى ركبتيه وكانتا مطليتين بالطين الطازج وقبعة من التويد (وهو نوع من الصوف الخشن) تشبه ما يلبسها شرلوك هولمز في المسلسلات التلفزيونية. عرفت في ما بعد ان ذلك هو اللباس النمطي لرجال الريف البريطانيطلب مني الدكتور الخروج معه فوجدنا ديكا رومياً خالياً من هموم الدنيا على ما يبدو عليه. " اشكرك ولكن ليس عندي اي مكان لإيوائه حتى وقت الكريسمس " قال الدكتور للسيد العجوز. " ليس هناك مشكله يا دكتور. سابقيه عندي في مزرعتي واحضره لك في 24 ديسمبر مذبوحاً كما عملت السنة الماضية". رد عليها "رائع".التفت الدكتور الي وقال لي " انا اعرف يا عبد الله انه يعلمونك في دروس الاخلاقيات في كلية الطب ان تمتنع عن قبول الهدايا من المرضى الا ان الحال يختلف في الريف لان للهدايا هنا لها رمزيتها وبساطتها". لم اشاء ان اناقشه في الموضوع لان ذلك كان يومي الاول معي الان مع الأسف اعرف زملاء لي في الطب يقدمون خدماتهم للمريض في المستشفيات الحكومية– المفروض مجانيتها أصلا-على قدر مستوى وقيمة الهدايا التي يتلقونها منه
في اطار تدريبي كطالب في الطب كان لزاماً علي ان اقضي شهراً كاملاً في التدرب في ما كان يُسمى وقتها بالممارسة "الطبية" العامة في العيادات المخصصة لذلك قريبه الى الناس في مجتمعاتهم موازٍ لشارع بيكر ستريت القريب من المستشفى الجامعي الذي كنت ادرس فيه وقضيت النصف الاخر من الشهر في عيادة الدكتور برينت وزملائه في ريف نورفك بل انني عشت خلال نصف الشهر ذلك في بيته مع اسرته. كان ممارسو هذا التخصص وقتها يسُمٌون بالممارسين العامين. وكان يُنظر اليهم بنظرة دونية من قبل اطباء المستشفيات الاختصاصيين المجتمعية ويلقى الاحترام والقبول ويتدفق الاطباء المتخرجون للتخصص فيها وعندما ادركت الحكومة البريطانية - في منتصف السبعينات- تردد المتخرجين في الدخول في هذا التخصص اثرته مادياً ومعنوياً ودعائياً
 بعد ان غادر السيد العجوز العيادة دخلت سيده في الخمسينات من عمرها وقبل ان تجلس التفتت ناحيتي وقالت "من هو الشاب الوسيم يادكتور برينت" تقصدني انا لطفاً منها، " آه هذا عبدالله احد طلبة الطب من الكلية الجامعية في لندن، انه هنا للتدريب في الممارسة الطبية العامة". "من اين انت ايها الشاب؟"أجبتها "انا من عدن" فردت "آه انا قضيت أجمل ثلاث سنوات من حياتي مع زوجي في عدن. كنا نسكن في مدينه نقطة الباخرة (تقصد التواهي). كان زوجي يعمل مهندساً في
مستشفى الملكة اليزبيث في خور مكسر. هل لا زالت المكتبة المتنقلة تأتي كل
أسبوع لتقف الى جانب حديقة الملكة فيكتوريا؟" وأضافت " اكاد اجزم ان صورة اخذت لي مره وانا بداخلها". قلت لها " انا كنت أعيش في التواهي وقد قرأت كل كتب ارسين لوبين ومسرحية "معضلة الطبيب" للكاتب الايرلندي جورج برنارد شو عبر استعارتها من تلك المكتبة. واضفت "انا تركت عدن من مدة طويله لكن الذي سمعت ان تلك المكتبة المتنقلة وتمثال الملكة فكتوريا اختفيا ومستشفى الملكة اليزابيث أصبح الان "مستشفى الجمهورية".ابتسمت السيدة بأول لي دون ان تعلق
ثم التفتت الى الدكتور برينت، وبدأت تحدثه عن حالة زوجها النفسية بعد ان توقف عن العمل فكان الدكتور برينت يطيب خاطرها ويحاول رفع معنوياتها ويعطيها مختلف النصائح في التعامل مع وضع زوجها، "وكيف حال جيمي؟" سألها الدكتور والتفت ناحيتي قائلا " جيمي هو ابن السيدة باول ولديه قصور ذهني منذ ولادته، "فقالت "آه جيمي. هو على نفس الحال. كم كان يحب كثيراً تبليل ارجله الصغيرة في ساحل جولدمور. اكثر ما يقلقني هو ماذا سيحصل لجيمي بعد رحيلي من هذه الدنيا" ." لا تقلقي سيده بأول سأقوم بتسجيل اسمه للقبول لرعايته في دار مناسبه لمن هم في حالته بحيث سيتم قبوله في أي وقت تريدين". لاحظت ان السيدة لم تشكو من علة تتعلق بها هي نفسها خلال كل المقابلة الطويلة. وكأنما كان الدكتور يقرأ ما يدور بذهني اذ قال لي بعد مغادرة السيدة العيادة، "أكثر ما شدني وجذبني الى هذا التخصص هي العلاقة المتينة بين الطبيب الممارس ومرضاه وعائلاتهم والمجتمع عموماً. نحن في القرن العشرين نؤدي وظيفة تقديم المشورة والدعم النفسي الذي كان يقوم به القساوسة في ماضي الأيام". في صباح ذلك اليوم قبل الحضور الى العيادة فطرت مع الدكتور برينت وزوجته في بيته. كانا حريصين ان يفهماني ان الفطور المقدم لي لا يحوي أي نوع من لحم الخنزير. كان ذلك اول مره افطر مع عائله انجليزيه. وقد قدما لي قطعتين من الخبز المحمص مطليتين بزبدة ومربى البرتقال وبيضه نصف مسلوقة في كوب صغير بحيث يظهر نصفها فقط اعلى الكوب. وعندما لاحظا جهلي في طريقة اكلها اراني طريقة كسر قشرة البيضة من اعلاها وغرف محتوياتها اللينة السائلة باستعمال ملعقة صغيرة. "اتريد بيضة أخرى او خبزاً محمصاً اخراً؟" سألتني زوجه الدكتور برينت قلت " لا، شكرا" قلت كاذباً أملاً انها ستصر علي وتعيد السؤال مرة أخرى الا انها لم تفعل ذلك واكتفت بابتسامهعند عودتي الى لندن بعد انتهاء وقتي مع الدكتور برينت وزملائه في الريف البريطاني حرصت على زيارة شارع أكسفورد في المساء للاستمتاع بالأنوار الجذابة المتعددة الاشكال والألوان التي يتزين بها في أعياد الكريسمس في كل سنه
قلت لنفسي وانا اتمتع بمشاهدة الانوار تلك، "لا اشك ان زوجة الدكتور برينت ستقوم بطبخ وجبة كريسماس تقليدية رائعة لعائلتها تستعمل فيها الديك الرومي المهداة من ذلك العجوز". اكتشفت في حياتي ان هناك مؤشران واضحان يدلانك على مقدار التاريخ الحضاري لأي امه: التنوع في مأكولتها والتنوع في رقصاتها الفلكلورية

أيامي الاولى في ارض اجنبيه - الجزء 12
 Dr Oliver Wrongفي ذكرى استاذي الذي شدني الى التخصص في طب الكلى - برفيسور اوليفر رونح وفي
ذكرى سيري اليومي بين "صواب" و"خطاء"‏. عبدالله السياري

كان توني – عند لقائنا اليومي في غرفه جلوس الاطباء المستجدين يمازحني بالقول،" يوم
اخر لك بين "صواب" وخطاء؟
كنت انا و توني حديثي التخرج من كلية الطب وكنا وقتها في اسابيعنا الاولى كاطباء في
مرحلة التدريب (يسموننا هناك بما يمكن ترجمتة الى"رجال البيت") كان توني "رجل
البيت" للدكتور هولمان استشاري امراض القلب وكنت انا "رجل البيت" للبروفسور رونج
استاذ الباطنه في كلية الطب واستشاري امراض الكلى
ولعل بداية عملي كطبيب مع اختصاصي في امراض الكلى كان السبب الرئيسي وراء
انتهاجي لهذا التخصص حيث انه في الفترة التي قضيتها معه تولد لدي اهتمام وانشداد
لهذا التخصص ولطالما سئلت " كيف يتولد الاهتمام والانشداد عند شخص ما تجاه موضوع
او عمل او حرفة او صنعة ما" فاجيب ان احد الاسباب التي لا يُتطرق اليها كثيراً هي في
ان تزايد المعرفة والفهم لصنعة ما ترفع درجة الانشداد نحوها والانشداد يرفع درجة
المعرفه بها وكلاهما يشكل دفعاً للاخر
 رونج  هو اسم عائلة ذلك البروفسور و "رونج" ايضاً تعني " خطاء" باللغه الانجليزية
 وفي الوقت الذي كنت فيه اعمل في وحدة البروفسور رونج كان مساعده (او ما يطلق
عليه "الطبيب المسجل") هو الدكتور "رايت" التي تعني باللغه الانجليزيه "صواب" توني
بمزحته تلك كان يشير الى انني – عند المرور على المرضى في عنابرهم – كنت افعل ذلك
ماشياً بين الطبيبين
كانت شخصيتا الاثنين عكس معنى اسميهما فالاستاذ رونج كان حنوناً انسانياً وعطوفاً في
معاملته لي بينما كان الدكتور رايت لا يخفي عنصريته ناحيتي ونظرته الدونيه رغم انه
كان ذا امكانيات متوسطه. "من الان لن اناديك باسمك الاول كما كنت افعل عندما كنت احد
طلبتي بل ساناديك باسم العائله مسبوقاً بصفة "الدكتور". قال لي ذلك البروفسور في
بداية اول مرور لي معه. قال عند نهاية ذلك المرور الاول " لا باس عندي ان لم تخبرني
بما يحصل للمرضى يوميا اذا كانت احوالهم مستقرة الا انه لابد من اعلامي في الحال عند
حدوث شيئين اولهما عند وفاة مريض وثانيهما عند حضور وزير من الوزراء الحكومة
كمريض الى غرفة الاسعاف علماً بان المستشفى الذي تخرجت منه واعمل فيه وقتها كان
في وسط لندن وعلى مسافة سيرربع ساعة من اكسفورد ستريت، فسالته " هل لي اناسألك
لماذا يا سيدي؟"   اجاب "بالنسبه لطلبي الاول فقد حصل مرة ان قابلت قريباً لاحد
مرضاي المنوميين داخل مصعد المستشفى فهنئته بتماثل قريبه للشفاء ففاجني
بالقول " لكن والدي توفى بالامس الا تدري ذلك؟" وكان ذلك موقفا محرجا لي"، "اما
بالنسبة للطلب الثاني فهو لسبب مرتزقي بحت اذ ان الوزير عندما يحدث له مرض مفاجئ
هو في وضع حاجة وعوز لي مما يؤهلني بان اطلب منه التصويت لزيادة الميزانية
المخصصة لمستشفانا وقد نجحت في استعمال هذا الاسلوب في الماضي ولا اعتذر عن ذلك
كان البروفسور رونج جميل الصفات طيب القلب وكان يسألني دائماً ان كان هناك شئ
يضايقني وعن هل في امكانيته يساعدني فيه .وهذا يذكرني بشئ اتمنى ان يعمل به في
الكليات الجامعية في العالم العربي. في الشهر الاول لالتحاقي بكلية الطب استدعاني
الدكتور سترن استشاري امراض الاعصاب "لقد عيونني مرشداً لك يا عبدالله. وعليه
فانني اتمنى منك ان تاتي لمناقشتي والحديث معي في اي وقت قد تفكر فيه بالقفز من
على "جسر لندن" الى نهرالتيمز لتنهي حياتك اذ ان احد وظائفي كمرشد هي اثنائك عن
ذلك" احمد الله انني الم افكر لوهلة بالقفز من جسر لندن او جسر واترلو او جسر باترسي
او اي جسر من الجسور الكثيره على نهر التيمز الا انني شعرت باطمئنان من عرضه اذ
انه كان يعكس اهتمام ادارة الكلية بنفسية ومعنوية طلابها
الدكتور هولمان استشاري القلب كان يذكٌرني عند رؤيته بطبيب القلب الانجليزي الذي
فحص قلبي في مستشفى الملكه اليزايث في عدن وكان فعلا من اعظم المستشفيات في
الجزيزه العربية وقتها وكان قد حولني اليه الطبيب العام الذي كشف علي في اليوم السابق
واخبرابي بانه يشك بوجود خلل في احد الصمامات في قلبي ولذا فقد طلب من ابي
احضاري في اليوم التالي لمقابلة اخصائي القلب.لم اكن اشكو من شئ وكان الكشف الطبي
على صحتي ضمن الخطوات الروتينيه المطلوبه قبل سفري الى بريطانيا للدراسة بعد
تحصلي على منحة دراسية من المجلس البريطاني
كانت تلك الليله – في انتظار فحص طبيب القلب - من اطول واكثر الليالي قلقاً لي ولوالدي
لم ياخذ طبيب القلب اكثر من خمس دقائق لفحصي سريرياً ثم قال ،"انت في صحة رائعه ايها الشاب الفتى" كدت ان اقفز واقبله. كم حبيت ذلك الطبيب ولازلت
قرات قبل عامين ان استاذي الجليل "رونج" قد توفي في سن السابعه والثمانين وكان فعلاً
احد مؤسسي "طب امراض الكلى" الذي هو تخصص حديث وقد كان مرجعاً عالمياً دون
منازع في مرض الحماض الأنبوبي الكلوي
بعد ان قررت التخصص في طب الكلى - وهو تخصص دقيق ضمن تخصص الطب الباطني
عدت لاعمل مع البروفسور رونج ك"الطبيب المسجل الرئيس" وكمحاضر في جامعة لندن.
عند قراري العودة الى المملكه العربية السعوديه كتب لي توصية تمكنت من الحصول على
نسخة منها بعد كتابتها بسنين ولا زلت احتفظ بنسخة منها يقول فيها " اكره ان
اخسر (عبدالله) الطبيب الشاب المتفوق من العمل معي. عرفته منذ كان طالباً في كليه الطب حيث احرز المرتبة الاولى بين كل طلبتنا وحاز على الكثير من الجوائز الممنوحه من الكلية كما نال درجة الشرف والتميز في الامتحان النهائي. "يعرف،(عبدالله) تفاصيل مرضاه دون ان يبدو عليه اي مشقه من ذلك وله علاقات طيبه وئام مع مرضاه وموظفي المستشفى الاخرين بالرغم من كونه في الاصل نتاج ثقافة اخرى كما انه على علم عميق بالاسس العلمية للطب ". ان صح كلام البروفسور عني فاني ارجع ذلك الى حظوظي في انني تمكنت من الدراسة في كلية عدن العظيمه ونلك الكلية كانت بالفعل ظاهرة نادره من نوعها كتبت عنها عدة مقالات بعنوان "ظاهره كلية عدن".يعتقد بعض معارفي انني اميل الى التسامح الاجتماعي وقبول الراي الاخر والابتعاد عن اصدار الاحكام القيمية حتى على منهم قريبين مني و يعتقدون ان هذا ناتج عن تأثير احتكاكي بالبريطانيين وعيشتي معهم مده طويله. وان صح اعتقادهم ذلك – وانا لا اعلم بصحته الا اننى اتمنى ذلك – فاقول ان احتكاكي بالبريطانيين قد يكون اثرفي في هذا الاتجاه لسبيين متعاكسي التاثيراحدهما هو مقابلة اشخاص طيبين مثل البروفسوررونج والثاني لسبب عكسي ليس اقل منه اهميه - له علاقه بشعوري بالغربة المجبورة علي من المجتمع البريطاني وبعض مواقف عنصريه طالتني هناك (وقد ذكرت بعضها في مقالات اخرى) اي ان تسامحي هذا وقبولي للراي الاخر–ان صح-قد يكون نتيجة معاناة لمستها وعشتها جعلتني اميل الى ان اكون في صف المستضعفين ومن هم عرضه للاستخفاف والاحتقار والتهميش. ألاكثر احتمالاً لجنوحي هذا – ان صح- هو تقليدي – ما استطعت الى ذلك سبيلاً- لسلوكيات وافعال والدي يرحمه الله وايضاً للجو المشحون بالتسامح والتعدديه الذي كان يسود عدن وساكتب عن ذلك في المستقبل ايضاً
زميلي توني الذي كان يمازحني حول توسطي بين "خطاء" و"صواب" هو الان استاذ
الطب النفسي في جامعة كامبريدج يهتم في ابحاثه على الطب النفسي لصعوبات التعلم

 
أيامي الاولى في ارض اجنبيه - الجزء14
underground From Al Sayyari in UKفي ذكرى زياراتي المتعدده لمحطة بيكر ستريت وما حولها
عبدالله احمد السياري

لماذا يُغلق باب مجلس العموم (البرلمان البريطاني) في وجه الشخص الذي ترسله الملكة لاستدعاء اعضاء ذلك المجلس للحضور اليها الى مجلس اللوردات عندما تاتي لافتتاح البرلمان في كل سنه؟
سألت زميلي "سيسمس اوكونور" الطالب القاعد الى جانبي ونحن نشاهد الملكة على التلفزيون. أجاب "لاحظ ايضاً انهم لن يفتحوا له الباب الا بعد ان يدق باب البرلمان ثلاث مرات متتاليه "قال سيسمس، واضاف "تلك هي احد الامثلة للسخافات البريطانية في التمسك بالتقاليد القديمة الإنجليزية الهبلاء" .وبعدها عاد "سيسمس" الى عناق صديقته الحمراء الشعر الجالسه الى جانبه - انا الى الان لا اعرف لماذا يصف الانجليز الشعر الاحمر ب"الشعر الزنجبيلي"؟
المعروف عن صديقي "سيسمس اوكونو" انه بريطاني من ايرلندا الشمالية يساري وجمهوري الميول ويرى في الملكية البريطانيه مضيعة لاموال دافعي الضرائب.وعلمت فيما بعد ان سبب ذلك التقليد البرلماني هو لاثبات ان مجلس العموم مستقل في قراراته من أي تأثيرات ملكيه، ولا يسمح حتى للملك بدخوله الا برضاه (اي البرلمان) وسماحه
احترم واعجب لحب البريطانيين لتقاليدهم والابقاء عليها ورعايتها، ويزداد هذا الاعجاب لدي كلما كبرت في السن. وقد استغل البريطانيون ذلك في صناعة السياحة. فما عليك الا ان تشاهد ملايين السياح الذين يزورون قصر الملكة لمجرد مشاهدة حراس الملكه ذوي الستر القرمزية والقبعات العالية جداً من الفرو الأسود (المصنوعة – بالمناسبة -من جلود الدب الاسود) الذين لا يتحركون قيد أنمله أو تتغير ملامح وجوههم مهما حاول السياح ان يجروهم الى ذلك بالقيام بحركات بهلوانية على بعد بضعة اقدام من جوههم
في احد المرات وانا خارج من محطه قطار بيكر ستريت في لندن لاحظت صفاً طويلاً من السياح امام احد بنايات "شارع بيكر". " ماذا يوجد هناك؟ " سألت الشرطي فاجاب "آه هناك المسكن الذي كان يسكن فيه "شرلوك هولمز" المخبر الشهير"، " عفواٌ" قلت للشرطي "ولكن الذي اعرفه هو ان شرلوك هولمز كان شخصاً وهميأً من خيال الكاتب الطبيب آرثر كونان دويل" ، "هذا صحيح" اجاب الشرطي " الا ان العنوان الذي اختاره الكاتب قبل 80 سنه كمسكن لهولمز
كان " 221 ب بيكر ستريت" ولم يكن هناك مسكن بهذا الرقم في هذا الشارع وقتها، الا انه مع امتداد الشارع صار هناك عنوان بهذا الرقم، فقررت البلديه جعله مزاراً ومتحفاً للمحقق المشهور ذلك
كنت انزل في محطة بيكر ستريت في لندن في مرات كثيره لا نها اقرب محطة بالنسبة لي الى مسجد لندن المركزي وكذلك لمتحف الشمع الشهير(مدام توسود) ولحديقة ريجنت الشهيرة التي طالما زرتها في الصيف للاستمتاع بالزهور والورود الرائعة المتنوعة الالوان والروائح وللاستمتاع بالموسيقى التي تعزفها الفرق الموسيقية. وفي احدى المرات التي لا انساها استمعت بشغف شديد الى فرقة قِرب اسكتلندية تعزف قطعة "صخور عدن الجرداء". وفي وقت لاحق علمت ان عازف القرب اسكتلندي الف هذه القطعة فرحاً بسماع خبر قرار مغادرة فرقته لعدن. ارفق رابط الى هذه الموسيقى لمن اراد ان يسمعها
عشت شخصياً شيئاً يسيراً من التقليد البريطاني عند تسلمي شهادة زماله الكلية الملكية لاطباء الباطنه عندما دخلت متحف الشمع لأول مرة تذكرت كلمات والدي يرحمه الله قبل سفري الى بريطانيا بيوم او اثنين "لا تفوتك زيارة متحف الشمع في لندن يا عبدالله . ستحتاج اكثر من زيارة لذلك. في واقع الامر،  لكنني احذرك ان لا تقع في نفس الخطاء الذي وقعت فيه انا وهو رد التحية للشرطي القابع على باب المتحف اذ انه هو الاخر مصنوع من الشمع." لم اجد اثراً لذلك الشرطي ولابد انهم ازالوه منذ زيارة والدي رحمه الله وقد زار بريطانيا مرتين ضمن الفرقه العسكرية للجيش الجنوبي التي شاركت في عرض النصر بعد الحرب العالمية الثانيه، وفي مناسبة تتويج الملكه اليزابث الثانيه.غير انني قضيت وقتاً اتامل فيه تمثال شمع الملك فيصل وجمال عبد الناصر يرحمهما الله، وكذلك في القسم المخصص للقتله والادوات التي استعملوها في جرائمهم. واستغرب ابداع الانسان في كل شئ حتى في ارتكاب ابشع الجرائم
ما لفت نظري بعد زيارات دول عدة ان مؤشرات احترام القائمين على المدن لسكان تلك المدن – من ناحية تخطيطها– تتجلى قي التأكيد على تحقيق ثلاثه اشياء:الحدائق الشاسعة فيها، والحفاظ على نظافة تلك الحدائق ورونقها، الحفاظ على بناياتها التاريخية الاثرية، و ايجاد مساحات في المدينه (عادة في اوساطاها) خالية تماماً من مرور السيارات فيها.
وهناك ذكريات لي حميمه مرتبطة بمسجد لندن المركزي

http://www.youtube.com/watch?v=BUx8ntCzo-w

الايام الأولى في ارض اجنبيه - الجزء الاول
عبدالله أحمد السياري

 يجب ان تلتزم بارتداء قبعة من القش وحذاء اسود وجوارب سوداء، و سترة زرقاء مع شعار المدرسة مخيط على جيبها. القميص الذي تلبسه يجب أن يكون ابيضا مع ربطة عنق ذهبيه اللون مع  الأزرق الداكن ولا ينبغي ارتداء اي نوع اخر من اللباس عند حضورك الى المدرسه  . تذكر أنك يجب عليك ان ترتدي   كل هذا اللبس الرسمي - ايضا- كلما ذهبت إلى المدينة . يُمنع عنك ارتداء أي لباس اخر في المدينه
سألت : "أين يمكنني الحصول على كل هذه الأشياء؟ "
 قل "يا سيدي" ؛ يجب ان تقول "يا سيدي ، عند التحدث الي "، قال السيد
باتريك شيروود مدرس االلغه اللاتينيه  والمسئول عن مسكن
الطلاب."اذهب الى  الشارع الرئيسي  في المدينة . سوف تجد متجراً
للملابس  يدعى " هورن كاسلس" واخبرهم انك  طالباً في هذه المدرسة وانك
في المسكن الطلابي  المسمى المركز الدولي ، سيعطونك ما تحتاجه" 
" شكراً لك يا سيدي "" وشيء آخر. سوف تحتاج أن تحلق شاربك "
" لماذا يا سيدي؟ "
 تلك هي  احد قوانين المدرسه. يُسمَح فقط للطلبة العرفاء أن ينمو شواربهم، إذا رغبوا “في ذلك

كان هذا أول يوم لي في المدرسة. لقد تعلمت على الفور أن هناك قواعداً
انا مرغم للالتزام بها سواء كانت  منطقية بالنسبة لي أم لا. لم ادرك وقتها
ان هناك الكثير غيرها من القوانين التي يتوجب علي الالتزام بها.
مشيت إلى الشارع الرئيسي في المدينة  الذي لم يكن بعيداً عن المدرسة
كان لدي شعور قاتم من الحزن والشعور بالوحدة  يجثم على صدري 
تذكرت والدي وأخواتي . لقد جئت من عائلة كبيرة عاشت معاً في وئام
ومحبة . لقد تساءلت دائماً مع  شعور بالإعجاب الشديد كيف استطاع
والداي أن  يوفرا لعائلتنا الكبيرة  حياة سعيدة جداً وصحية. وكانا دائما ما
يرحبا بالأقارب و الناس الذين يصلون من القرية مفاجأة إلى المدينة. دائما
كان يذهلني كيف يبدو أن هناك دائماً ما يكفي من الوسع في البيت 
لايوائهم  و ما يكفي من الاكل  لاطعامهم
آه كم افتقد لوالدي و مدينتي الجميلة بشكل رهيب
 نزلت دمعتان خفيفتان و ببطء على خدي . وعلى الفور مسحتهما بيديي
ونظرت بعيداً الى الماره. لا يمكن أن ينظرون إلي  على انني ضعيف
أوه، كم  أتوق إلى العودة إلى دياري . موجة من الحزن الثقيل المظلم 
اجتاحتني
 "لا تضعف يا رجل "،تحدثت مع نفسي بصوت عال " كنت قد وعدت”
اخواتك  انك سوف تعود اليهم طبيباً ، ولا بد لك ان  تفي بوعدك لهم"

 انتابتني فجأه  طاقة  غريبة متحدية حزني وذلك عندما  تذكرت محادثة
قصيرة  بيني وبين الشخص الذي كان يجلس بجواري في الطائرة
اليطاليا" التي سافرنا عليها من عدن. وكانت تلك اول رحلة لي على”
الاطلاق
كنت أعرف الشخص الذي بجانبي،  اذ انه كان طالباً في نفس المدرسة
التي كنت احضرها وان كان يتقدمني بسنتين أو ثلاث سنوات
 “سألني "ما هي خطتك للمستقبل؟  
 سانتهي من شهادة الثانويه العليا في احدى المدارس في المملكة المتحدة”
“.ومن ثم سالتحق باحدى الجامعات البريطانية لدراسة الطب
ضحك بصوت عال ومع ابتسامة ساخرة على وجهه قال " لا ترفع املك
كثيراً في انك ستتمكن من ذلك. صدقني حتى انك  لن تفهم الطريقة التي
“يتحدث بها الناطقون بإلانجليزية
 
تذكرت هذه المحادثة وانا اتجه نحو الشارع الرئيسي مما شد من  العزيمة
والتحدي لدي.
إنطبعت ابتسامة عريضه على شفتي و أشرقت الشمس لتضيء الشارع
الرئيسي باشعاعها الدافئ.
علمت في وقت لاحق  أن جاري في الطائرة اضطر  إلى ترك  بريطانيا
والعودة إلى عدن لأن  حالته الصحية لم تمكنه من تحمل الطقس البارد 
شعرت بصدق بآسف شديد عندما علمت عن ذلك بعد 3 اشهر من وصولنا
الى لندن
إقتربت من  66 الشارع الرئيسي . ووجدت المحل، قرأت اليافطة على
الباب  : هورن كاسلس- خياطون" تأسس في عام1888 متخصصون في
“الزي المدرسي 
 بجانب المحل لمحت مبنى مع حديقة كبيرة مليئة بالزهور الملونة
والشجيرات الخضراء. قرأت على جدار البناية " التمريض و الرعاية
المنزلية للمسنين " . لم يكن لدي أي فكرة حينها انني سأقوم بالعديد من
الزيارات إلى هذا المكان في الأشهر المقبلة
كان الرجل العجوز داخل المتجر في 66 الشارع الرئيسي  تجسيد العطف
والتفاهم. قام بقياسي وقدم لي زوجين من كل ما يلي :قبعات مصنوعة من
القش ، قمصان بيضاء، سترة زرقاء ، جوارب وأحذية سوداء،  ربطة
عنق ذهبية اللون مع  الأزرق الداكن (عرفت فيما بعد انها ربطه العنق
“الخاصه ب" المركز الدولي
 وبابتسامة ومودة، سألني الرجل العجوز ان اوقع على استلامي كل تلك
الملابس حتى يتم أرسال تلك الفاتوره  فيما بعد  الى  " المجلس الثقافي
البريطاني "  التي كنت مبتعث من قبله للدراسة في المملكة المتحدة.
  ابتسمت  وقلت لنفسي "في الأسبوع الماضي فقط كنت أسيرعلى  
الشاطئ الذهبي الجميل  في التواهي  مع والدي قبل ان ياخذني الى شارع
الهلال في المدينه حيث اشترى لي أول بدلة كاملة امتلكها في حياتي من
متجر خياطة تديره اسرة  هنديه" . اختار لي ابي  بدلة بلون أسود "لأن
“هذا  اللون  رسمي ويلائم  كل المناسبات، يا ابني
 
زار والدي المملكة المتحدة مرتين ليقود فوجاً من جيش الجنوب العربي  في
المسيرات في مناسبتي "النصر" و"التتويج" التي عقدت في لندن

ابتسمت مرة اخرى عندما   تذكرت أنني وعند  وصلي إلى مطار لندن ، تم
اختياري مع زميل اخر -محمد غانم -لاجراء مقابلة طويلة في قسم الهجره 
بحلول الوقت الذي انتهت فيه تلك المقابله وعند خروجنا من المطار لم نجد
اثراً  لزملائنا الذين قد غادروا الى وسط لندن مع الشخص الذي اتى ليدلنا
على المكان  الذي ينبغي علينا الذهاب اليه. وكنا - زميلي محمد زانا-
ببساطة لا نعرف ما يجب علينا القيام به، و إلى أين نذهب. الا ان
المساعدة وصلت بشكل غير متوقع. 

لتلك الحادثه - فضلاً عن قواعد أخرى مثيرة للاهتمام   اضطررت الى الالتزام بها في المدرسة، ساواصل القصص الاخرى

الايام الأولى في ارض اجنبيه -الجزء الثاني
عبدالله أحمد السياري


احسست بالإنهاك والبرد عندما رأيت غزالا يأكل من العشب المخملي
الاخضر. كنت وقتها أزاول رياضة الجري الأسبوعية المفروضة علي في
حديقة "نول" المشهورة والمحاذية للمدرسة التي التحقت بها للتو.
حديقة "نول" تلك مشهوره في احتواها على غزلان جابت كل اركان تلك
الحديقة منذ عام 1456
 هل ياترى يعود اصلك يا غزالي – مثلي - الى الجزيرة العربية" كلمت”
الغزال بالعربية ولم يعرني أي انتباه
لعله نسى لغته الأصلية بعد تلك القرون الطويلة في الغربة" ناجيت نفسي ”
وانا اجري
القيام بالجري لخمسة اميال اسبوعيا كان واحدا من القواعد التي اضطررت
إلى الانصياع لهافي مدرستي الجديدة التزاما بالميداء العربي القائل "مرغم
“اخاك لا بطل

كان الاستاذ باتريك شروود يخاطب الطلبة الجدد
 يمكنكم اختيار أي رياضة تريدون الاشتراك فيها ولكن هناك نوعان من”
الرياضة ليس لديكم أي خيار سوى المشاركة فيها: الرجبي والجري لمسافات
“طويل
و"علاوة على ذلك عليكم القيام بالتدريب العسكري بعد ظهر كل يوم اربعاء
كل اسبوعين والقيام بشكل من أشكال العمل الاجتماعي في المدينة بعد ظهر
“كل يوم الاربعاء الاخر
كان علي ايضا أن اتناوب مع الطلاب الآخرين في غسل الأطباق وتقديم
الطعام إلى الطلاب الآخرين في مبنى الداخلية التي اسكن فيها واضطررت الى
القيام بذلك مرة واحدة في كل اسبوع. لم اجد أي غضض في ذلك
الا انني كرهت الاشتراك في رياضة الرجبي لخشونتها خاصه ان بنيتي
الجسدية ضئيلة لم تكن بهذه الدرجة من اللياقة، ناهيك عن الرائحة الكريهة
المنبعثة من آباط مليئة بمزيج من العرق والطين الذي على المرء أن يتحملها
عند الاحتكاك  بأعضاء الفريق المنافس خلال ذلك الجزء من اللعبة الذي
“يسمونه "سكروم .
وأظن أن بنيتي الجسدية الضئيلة تلك كانت السبب في أنني اُخترت في مطار
لندن ليتم فحصي طبيا وعمل فحص بالأشعة السينية للصدر. أفترض أنهم
كانوا بحاجة للتأكد من أنني لم أت معي بسقم معدي الى شواطئ بريطانيا
العظمى
لكم تساءلت دائما لماذا كان على التلاميذ في المدرسة –اجباريا- الاشتراك في
رياضه الرجبي والجري الطويل تحديدا . لعلي- وان في وقت لاحق- عرفت
السر وراء ذلك. أعتقد أن أحد الأسباب هو أن هاتين الرياضتين تحتاجان الى
التحمل والصبر، وكلاهما فعال في بناء الشخصية
وسبب اخر ربما يمكن أن يكون في أن تلك الرياضتين بريطانيتان في
جوهرهما وتاريخهما، وبناء الشخصية و تكريس الوطنية همأ عنصران
أساسيان ضمن رؤى المدارس البريطانية من هذا الصنف. لا تنس ان المدرسة
التي التحقت للتو فيها انشات منذ خمسة قرون والتقليد والتاريخ جزء اصيلا
من طبيعتها وجوهرها
إلى جانب رؤية الغزلان في حديقة "نول" كنت في بعض الأحيان ارى قطعان
من الأغنام والأبقار ترعى . رؤيتي لتلك القطعان كانت تبث السرور في
صدري . لقد كنت دائما و لا ازال اشعر بالسعادة لرؤية الأغنام والأبقار. لا
اشك ان ذلك جزءً من أن انعكاسا "بافلوفيا" يقع لي. ولطالما ربطت ذلك
بطفولتي عندما كنت أستمتع جدا بعطل الاعياد التي كثيراً ما كنت اقضيها في
قرية عائلتي التاريخية واشاهد اثناءها الأبقار و الأغنام ترعى في الحقول
المفتوحة . هل هذا الانعكاس "البافلوفي" السعيد ينبع من ولع بالمكان (لقرية
الاسلاف) أو لولع للظروف (المناسبات العيدية والاجازات المدرسية).الحقيقة
لا اعرف الجواب على هذا السؤال

في غضون أيام قليلة من انضمامي إلى المدرسة الجديدة تطور لدي انعكاس
بافلوفي" جديد انما هو سلبي الطبيعة هذه المرة، ويبقى هذا الانعكاس معي”
حتى يومنا هذا. ذلك هو الإحساس بالاختناق والضيق – المفاجئ - يجتاح
صدري كلما سمعت رنين أجراس الكنيسة. ولقد عزوت ذلك أن السنة الأولى
لي في الغربة كانت غير سعيدة ومليئة بشعور جاثم بالوحدة. وكنت عند
استيقاظي من النوم او سيري في المدينة وانا اشعربالحزن والتعاسة - كل يوم
- خلال تلك السنة كنت دائما ما اسمع اصوات أجراس ترن في أذني من كنيسة
قريبة فارتبط الشعور بالتعاسة بأجراس الكنيسة في ربط "بافلوفي" ملفت بقي
معي كلما زرت مدينة فيها كنائس تنبعث منها اصوات الاجراس
 
لأنني قد تأخرت في المطار نظرا لخضوعي لفحوص طبيه فعند خروجي من
المطار لم اجد اثرا لزملاء السفر أو للشخص الذي كان من المفترض أن
ياخذنا إلى حيث كان من المفترض أن تذهب، كان زميلي محمد غانم الوحيد
الذي بقي معي
كنا في حيرة من امرنا يسأل الواحد منا الاخر حول ما يتعين علينا القيام به 
فجأة نسمع كلمات بلهجه عدنيه حلوه قادمة من شاب مبتسم لم نره من قبل ابدا
" هل أنتم ايها الفتيان من عدن ؟ يبدو أنكم ضائعون . لا داعي للقلق سوف
اخذكم إلى المكان الذي اجزم أنكم ينبغي عليكم الذهاب اليه " . وركبنا في
“سيارته من نوع "موريس ميني
أخذنا هذا الشاب العدني الطيب إلى مبنى من الطوب الأحمر ضخم في
نايتسبريدج في قلب مدينة لندن بالقرب من محل هارودز الشهير
كان هناك الكثير من الشباب الهندي الجاد والشباب الأفارقه المبتسمين تجمعوا
في مجموعات في الشارع خارج ذلك المبنى الحمر
قرات العنوان عند مدخله: " 1 ، هانز كريسنت"
في تلك الليلة- جنبا إلى جنب مع أكثر من 30 طالباً اجنبياً - راقبت بذهول
وإعجاب شديدين الملاكم محمد علي كلاي يطيح ارضا بالملاكم الألماني كارل
مايلدنبرجر. كانت تلك بداية علاقة طويلة الأمد وولع لي مع التلفزيون البريطاني

الايام الاولى في ارض اجنبيه - الجزء الثالث
عبدالله أحمد السياري

(اهدي هذه الذاكره الى اخوتي ابي بكر مجمد السياري ومحمد الخريبي)
واقول لهما "اه  كم افتقدكما واسال الله ان يرحمكما ويجمعني بكما في الجنه في مستقبل الايام) عبدالله

في  طريقي الى مطار عدن لبدء رحلتي الى  لندن كنت لازلت وقتها  في سن  المراهقة. لم يدر بخلدي في  تلك الرحلة القصيرة نحو المطار بانني لن ارى والداي واخواتي الست لا كثر من عقدين من الزمن مرغماً على ذلك ولست متطوعا. ما كنت لا عرف اني سأتوقف والى الابد من ان اكون من سكان عدن- مسقط راسي- وانما سأنتمى في مستقبل الايام  لبلد اخر. احتضنني واحتضنته وحبني واحببته وعزني وعزيته بلد سيولد فيه اولادي واحفادي وينتمون اليه بفخر وافتخار. بلد افتخر بان كثيراً من قادة الطب
.فيه الان من تلامذ تي
 
لم اكن لا علم - في تلك اللحظة - انه لن تمر سنين قليله جدا حتى يسجن فيها ابي  وقد
 بلغ من العمر عتياً وينفى اخي قسراً دون رضاه ليموت مقتولاً في منفاه  بعيداً عن .اطفاله الثمانية، دون ان يراهم مرة اخرى
لم اكن لاعلم ان ابواي سيخسران قرة اعينهم -ابنهما الاكبر- وهو بعيد عنهما فيتألمان .من ذلك الماً شديداً بقي على سيمأهما الطاهرة الى ان توفاهما الله.
لم اكن لأعلم انني ساستلم رسالة تلو الاخرى من ابي  يحثني  فيها بان " لا تستعجل بالعودة يا عبدالله واتمم تخصصاتك  العليا الى اعلى المجالات لتتضاعف فائدتك لخدمه الوطن"، وهو بذلك لم يود سوى ان يوصل رسالة رمزية منه لي (لتجاوز الرقابة على البريد) مفادها "لا تعد يا عبدالله ان الوضع هنا  لا يُحتمل". هذا مع  الاكيد بان حاجته الماسة الى وجودي الى جانبه قد بلغت اشدها حيث تكالبت عليه اهوال كثيرة في الحياة، وقهر عظيم من رجال اقل منه شاناً وادنى منه عزة وشرفاً، ولكن تلك كانت شئون الحياة .وما شاء الله كان
لم اكن لاعلم وانا متجه الى المطار وقتها  انني سأفقد عظمة وصداقة وحكمة ابي وامي ونصحهما في  سن كنت قي اشد الحاجة لذلك (ولذا تجدني  اعوض ذلك الان بارتباطي (بصداقة حميمية تربطني بأولادي

عندما قابلت ابي بعد فراق طويل - وكان ذلك في ارض الامارات العربيه المتحده الطيبه  وقد صرت وقتها طبيباً اختصاصياً واباً لطفل، تأخرت ذات ليلة خارج المنزل، وعند عودتي قال لي ابي "لقد اقلقتني عليك بتأخرك هذا يا عبدالله" قلت مبستما " لكن يا ابتي ظنيتك قد تعودت على غيابي وتأخري عنك بعد  غيبة دامت عقدين من الزمن في بلاد بعيده  قال  "ومن قال لك انني لم اكن قلقاً عليك! افكر فيك في كل لحظة من كل يوم في كل ذلك “الوقت
لم اتبين ذلك كحقيقة مطلقة الا بعد  مرور أعوام اخرى عندما سافر ابني  للدراسة في .الولايات المتحدة. فكنت افكر في حاله في كل الاوقات

لم اكن لاعلم في رحلتي القصيرة تلك من منزلنا  الى مطار عدن في خورمكسر بان ابن “عمي ابي بكر (بل الاصح هو اقرب ان يكون شقيقاً لي)   سيدخلونه سجن "معسكر فتح .اللعين ويلقى اصنافاً من التعذيب، بقى تاثيرها عليه حتى وفاته، يرحمه الله.

قبل خروجي من البيت في طريقي الى المطار قبلت يدي امي في وداع لم اكن ادري وقتها انه سيطول ويطول.  وطبعت هي قبله من اعماق اعماقها على صدري ناحية قلبي مودعة لي وفعلت شيئاً اخراً وقتها - استنشقت استنشاقاً عميقاً عبر انفها كانها تريد ان تحتفظ برائحة قلبي الى ان اعود اليها. وتذكرت ذلك بعد سنين طويلة عند سفر ابني احمد، اذ .وجدت نفسي  دون تخطيط سابق انام في فراشه في ليلة سفره
قمت بعد ذلك بتقبيل يدي ابي - يرحمه الله - وقام هو باخذي في حضنه الدافئ بقوه، وقال اربع كلمات لازالت - وستبقى دائماعالقة في وجداني - قال لي هامساً في اذني " الله الله في الله"  يوصيني بقوله ذلك بتقوى الله وكانت تلك التوصية نبراساً لي في حياتي، وان .لم اكن ابداً بالمستوى الذي كان يامله ابي في تقوى الله اسال الله المغفره

بعد التحاقي بالمدرسة في مقاطعه كنت في انجلترا باسبوعين اتتني مكالمة تلفونيه.
 انا ابوبكر يا عبدالله اكلمك من مدينه ريدنج  في انجلترا " شعرت بسعادة كبيرة وصحت " انك تمزح معي يا اخي" ، "لا بل انا هنا وقد وصلت البارحه. لم اخبرك لاني كما تعرف” .”احب المفاجأت  دائما
كنت اعرف ان ابابكر اتى لدراسة هندسة البناء، ولكني لم اكن اعرف انه سيفعل ذلك بهذه السرعه. ابوبكر تخرج من المعهد الفني في المعلا،  وبدأ العمل في مؤسسة ميناء .عدن
" هذا احسن خبر ممكن ان يحدث لي. اين مدينة ريدنج هذه؟"
"ستون كيلومتراً  غرب لندن"

بدات رحلة جميلة مع اخي ابي بكر في بريطانيا استمرت لسنتين قبل عودته الى عدن. وبعد عودته بمدةليست بالطويله، تم اعتقاله وتعذيبه. آثر ابوبكر ان لا يتحدث عن اهوال التعذيب الذي طاله في السجن الا في اواخر عمره - عندما زارني في الرياض - وطلبت منه ان يتوقف من سرده للاهوال التي مر بها لانني لم استطع تحمل التفاصيل. اذ انتابني حزن (شديد وغضب عارم (ولا زال
ومما اذكر مما قال "الذي يوسفني - يا عبدالله - ان السجانيين كانوا يطلقون احقر الالفاظ على الله ورسوله وكتابه، دون ان احرك ساكناً خوفاً من تعذيبهم لي - تعالى الله “عما يصفون
وذكرته بقصة رسول الله عليه وسلم وقوله للصحابي الجليل عمار بن ياسررضي الله “فان “عادوا فعد
.اعرف القصه يا عبدالله"  تمتم ابوبكر”
 ثم سمعت ابابكر يمتدح شجاعة واقدام احد المعتقلين معه، لعله كان من عائلة خليفه .العدنيه المحترمه
بعد ان فك الله اسره بسنين طويله قابلت ابابكر في مطار جده وانهمرت دموع غزيرة من عيوني  عند رؤيتي له بعد كل تلك السنين. لم ابك للقاء احد من افراد عائلتي بعد الفراق .الطويل مثل ما بكيت -فرحاً - بلقاء اخي ابي بكر يرحمه الله

قابلت ابابكر في مطار جده ايضاً مرة اخرى بعد مرور سنين من ذلك اللقاء، وكانت برفقته زوجته ( اختي) وابنه لؤي. وقد اتى بعد ان اُصيب بفشل كلوي نهائي  ومجيئه لاجراء عملية زراعة كليه تبرع بها ابنه لؤي بارتياح ورضاء لا يضاهيان. وقد حصل ذلك .بنجاح الا ان الله توفى ابابكر قبل سنين قليلة من مضاعفات اصابته
.وبكيت مرة اخرى عليه،  انما بدموع الحزن هذه المره

ابوبكر كان يكبرني بعدة سنوات، فاستشعر مسئولية الملاحظة علي واسعادي اثناء مكوثه في انجلترا. فكان يصر ان نتقابل في اجازات نهاية الاسبوع وفي الاعياد. اما في مدينة (ريدنج حيث عرفني باصدقائه العرب (ومنهم من بقي صديقاً لي وعلى اتصال الى يومنا هذا واحياناً يلتقي بي في لندن حيث كنا نقضي كثيراً من الوقت في منطقه بيزواتر حيث كنا نقابل الكثير من العدنيين وابناء الحنوب الذين كانوا يحبذون  الذهاب الى تلك المنطقه، كما كان فيها كشك لبيع الجرائد العربيه يملكه شخص من عدن، كان لديه متجر في منطقة .الشابات" في خورمكسر قبل رحيله نهائيا الى بريطانيا”
 .كما كنا نذهب الى "مكتب الجنوب العربي" في شارع بارك لين الراقي

ابوبكر محمد السياري كان ابن عم لي وهو في نفس الوقت ابن خالة لي. واصبح فيما  بعد زوج لاحدى اخواتي.  توفت امه - خالتي - فقام ابواي باخذه  هو واختيه في بيتناتحت جناحيهما الذي اصبح بيته هو الاخر، بكل ما تعني تلك الكلمه من معنى، الى الحد الذي كنا ندعوه باسم "ابوبكر الكبير" (وليس ابوبكر محمد) لنفرق بينه وبين شقيقي .ابي بكر الذي كنا نطلق عليه اسم "ابوبكر الصغير" وليس ابوبكر احمد

عند التحاقي بالمدرسه في مقاطعة "كنت" اسكنوني في مسكن الطلاب التابع للمدرسة والذي كان اسمه "المركز الدولي" الذي كان نصفه من الانجليز والنصف الاخر من بلدان .اخرى، اذكر من بينها نيجيريا وايران والحبشه والباكستان والبرتغال وفيجي
كانت احدى التقاليد المتبعه والاجباريه فيه ان يقوم الطالب بالاحتفاء ببلده في يوم من ايام السنه. وعندما جاء دوري سألت ابابكر ان يساعدني وفعل ذلك. فاحضر عوده الذي كان يلازمه دائما وعزف وغنى اغانيه المفضله، ومنها "ياعيباه" لاحمد قاسم و "مستحيل انساك"  لمحمد صالح العزاني.  وكان صديق طفولتي وزميل دراستي في كلية عدن محمد الخريبي موجوداً ايضاً، فشاركني في شرح (رقص بدوي) لابسين زياً مناسباً لذلك على ايقاع عزف لابي بكر لاغنيه "يا ورد ياكادي" كما اعدينا للحضور خميراً عدنياً .وشاياًعدنياً ملبناً

.صديقي محمد هذا مات - مقتولا- في الجنوب بعد سنتين من هذا الحدث في ظروف مؤلمه جدا قبل يومين من وصول رسالة قبوله  في جامعه " سيتي" في لندن لدراسة الهندسه. ولكن قبل وفاته يرحمه الله عشنا مع بعض في مسكن في شرق لندن عند
انتقالي للدراسة في جامعه لندن. وكان هذا المسكن ثالث مسكن نطرق بابه بعد ان
.”رفضنا من قبل مالكو مسكنين سابقين  لانهم " لا يحبون ان يسكن ملونون معهم
وكان ذلك اول تجربتي بالعنصريه في بريطانيا. وقد علمتني هذه الواقعه الشئ الكثير
عن  الجانب المحزن من الطبيعة الانسانية وساعود اليها في ذاكرة قادمه، كما
ساحكي لكم لقائي الاول وذكرياتي الجميلة مع ا لسيد العزيز الطريف سليل وعائله  
الخيبه" من الشيخ عثمان  الذي كان موجوداً في "نيوكروس" في شرق لندن  مع”
زوجته  من عائله المقطري الكريمه. وقد تعرفت عليه عن طريق اخي ابي بكر الذي
.كان زميلاً له في المعهد الفني في المعلا   

الأيام الأولى في أرض أجنبية - الجزء الرابع
عبدالله أحمد السياري
(يرحمه الله في ذكرى صديقي عصام غانم )
(“وفي ذكرى صهاريج الطويلة  "علب سنبله)

من اين انتما ؟" سالنا البواب القابع على مكتبه عند مدخل البنايه والواضح عليه علامات”
“الملل والضجر. أخبرناه "من عدن
نظرإلى اسمينا في قائمة معلقة وراءه على الجدار وقال" احملا شنطتكما- يا فتيان واتبعاني "، وقادنا الى القبو في البناية في 1 شارع هانس كرسينت
 البناية كبيرة ويغطي جدرانها الطوب الاحمر، وتقع في منطقة في وسط لندن اسمها “كنسنجتن، وبجوارها  متجر هارودز الشهير الذي كان يمتلكه وقتها  "بيت فريزر واشتراه منهم محمد الفايد التاجر المصري الذي  باعه لاحقاً  الى مؤسسة قطر للاستثمار التي لاتزال تملكه الى يومنا هذا. والغريب كيف يتداول الناس الاملاك بينها لكني بت الان اقرأ وبشكل متكرر القول "استولى العرب على اغلى العقارات في لندن". والملفت للنظر كيف تتغير التركيبة السكانية للمدن خلال فترة قصيرة من الزمن. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الهجرة العالمية لسكان بلدان المعمورة نتيجة الانفتاح التجاري الدولي والنزوح من
الريف الى المدينة - خاصه العاصمة- التي نشهدها بدوافع الاحتياجات الاقتصادية
والبحث عن  فرص العمل
 عندما وصلت إلى لندن ، لم يكن هناك الكثير من الطلبة العرب . كنت واحداً من أربعة طلاب فقط من الخارج، والعربي الوحيد  في صفي في الكلية الطبية. ولكن قبل خمس سنوات زرت كلية الطب التي درست فيها في لندن، وولجت الى قاعة المحاضرات فيها ورأيت فيها عدداً كبيراً من الطلبة البريطانيين ذوي الوجوه الغير الأوروبية . ما هو أكثر من ذلك- وخلافا لحالتي عند انضمامي للجامعة - سمعت هؤلاء الطلبة يتحدثون بإتقان واضح  بشتى لهجات اللغة الإنجليزية الإقليمية. وقد بينت لي  خبرتي في الحياة ان اتقان اللهجة المحلية مهم جداً في عملية الاستيعاب الاجتماعي وقبول المهاجرين  في المجتمعات التي هاجروا اليها
ادهشتني دائماً ملاحظة ان الناس من نفس الخلفية الأثنية او الثقافية تنجذب نحو بعضها في أراض أجنبية.  وقد قال الانجليز في ذلك مثلا فحواه " الطيور ذات الريش المتشابة يجاورون بعضهم البعض". بعض الناس يساوي هذا المثل الإنجليزي بالمثل “العربي القائل " الطيور على اشكالها تقع
 وصل الهنود والباكستانيون ومواطنو جزر الهند الغربية بأعداد كبيرة إلى الشواطئ البريطانية في منتصف القرن الماضي. وكان واضحاً لي من أول أيامي في لندن،  ان اغلبهم كانوا  يعملون في قطارات الأنفاق، ومحطات السكك الحديدية وخدمات الحافلات الهنود انجذبوا إلى "سلاو"، والباكستانيون الى "برادفورد" و مواطنو جزر الهند الغربية إلى "بريكستون". هناك راحة نفسية واضحه تنبع من العيش في محيط مألوف ضمن وجوه مالوفه ولسماع لغة مألوفة
 في العديد من مساكن الطلاب الجامعية التي عشت فيها  في وقت لاحق كنا- نحن، العرب نضحك معاً ونأكل معاً. والبعض منا كان حتى يذهب إلى المراقص معاً. أنا اعزى ذلك إلى التأثير العجيب والموحد للغة العربية والتأثير الجماعي لاغاني أم كلثوم وفيروز وعبدالحليم حافظ. وشملت مجموعتنا القليلة نجلي أسقف الكنيسة الأنغليكانية في الخرطوم اللذين كانا يدرسان الهندسة، وصديقي العزيز محمد لعجم من شبام، حضرموت الذي كان يدرس الطب وصديقاً ليبياً كان يدرس في معهد التعليم الشهير التابع لجامعة لندن . ولقد علمت فيما بعد أنه أصبح  وكيلاً لوزير التربية والتعليم في بلاده.
 صديقي محمد غانم وانا  دلفنا الى قبو 1 شارع هانز كريسينت بمعية البواب الكثيرالتبرم حيث راينا قاعة واسعة تحتوي على ما يقرب الاربعين سريراً لا يفصل الواحد منها عن الاخر الا بضعة اقدام. وقادنا البواب الى سريرين
 قلت لنفسي "ما هي تلك الطريقة لبدء ما كنت أتوقع أن تكون رحلة جديدة مثيرة في ارض صاحبة الجلالة". اكثر ما ازعجني هو  انعدام الخصوصية الشخصية التي توقعتها تحت تلك الظروف المعيشية وليس نكد العيش في حد ذاته . لم أكن أعرف أن انعدام الخصوصية  هذه سيكون شيئاً كان علي تحمله لسنوات قادمة حيث علي ان اشارك غيري كثيرين في إستخدام الحمامات ، وتقاسم غرف النوم  وتبادل الاستحمام و هلم جرا. ومن المثير للاهتمام كيف أن الوزن الذي يُعطى الى الخصوصية "الجسديه"  تختلف بين الثقافات والشعوب. الإنجليزي  لايعطي هذا الجانب من الخصوصية كثيراً من الوزن- بعكس العربي. وبالمقابل كم هو مذهل كيف يمكن للإنسان  التكيف مع مرور الوقت
بقيت فقط لمدة أسبوع و احد في هذا المكان، ولكن سوف اتذكره دائماً. فهو المكان الاول الذي نمت فيه في المملكة المتحدة ، وفيه اكلت حساء الشعير والسمك المدخن كفطورلأول مرة.  كما انه المكان الذي شاهدت فيه برنامج " توب اوف ذا بوب" على البي بي سي لاول مرة. أتذكر رؤية شخص يقدم البرنامج بلهجة غريبة  مع العديد من الفتيات الجميلات حوله . أنا ، بصراحة لم ارتاح له من اول وهله. عرفت فيما بعد أن اسمه كان جيمي سافيل . في عام 2012، بعد سنة واحدة من وفاته عن عمر يناهز 84 عاما ، اكتشفت الشرطة البريطانية ان جيمي سافيل هذا اكثر المعتدين الجنسيين في تاريخ بريطاني
أنا فقط علمت مؤخراً جداً، من خلال قراءة مقال ممتع كتبه صديقي فاروق امان (نشر  في موقع   كلية عدن) عن تجربته الرائعة في 1 شارع هانز كريسنت من أن ذلك المبنى كان في الواقع نزل للطلبه.  وقد عاش فيه هو وصديقي الاخر فاروق مرشد لبضع سنوات مهمه من حياتيهما.
في نهاية ذلك الأسبوع كنت برفقة سيدة لطيفة جدا (للأسف لا أتذكر اسمها) من مكتب عدن في 95 بارك لين ، ماي فير ، متوجهين  الى مدرستي الجديدة في  مقاطعه "كينت". كانت لفتة لطيفة منها أن تأخذني في سيارتها  الى هناك. لكنني ، الآن، أظن أن ذلك كان ان احد قواعد  تلك المدرسة في أن الطالب يحتاج إلى ان "يحضره" رسمياً الى المدرسة إما من قبل أحد الوالدين أو الوصي عليه
خلال اسبوعي الأول  في لندن ، اكتشفت مؤسساتين بريطانيتين بارزتين،  اولهما هو مترو لندن والذي على الرغم من تعقيداته ، كان من السهل جداً استخدامه  . وقد تمكنت من حفظ  كل مساراته الستة  عن ظهر قلب. وقُدر لي استخدام الخط الشمالي ( الاسود)  اكثر من غيره من خطوط المترو  في  سنتي  الأولى في لندن. اذ كان علي ان استعمله للتنقل من محطه تشارنج كروس الى محطة جودج  ستريت الأقرب إلى  الجامعة التي التحقت بها.
في احد المرات عندما كنت مغادراً محطة جودج  ستريت على طريق  توتنهام كورت  ، اذ بي المح وجهاً مبتسما وسيماً مألوفاً. كان  ذلك عصام غانم الذي كان احد نجوم الطلبة المعروفين في كلية عدن - على الرغم من انه كان  يسبقني فيها ببضع سنوات.  "مرحبا، كيف امورك في  دراساتك الطبية" سألني عصام.  كان الطلبة العدنيون الدارسون في المملكة المتحدة يتابعون بشغف أخبار بعضهم  البعض
"أنا مستمتع بها للغاية" اجبته بصدق. "وماذا عنك ، وكيف هي دراستك في الهندسة في جامعة أبردين."؟ أجاب "أوه لقد انتقلت من أبردين إلى جامعة برمنغهام حيث  ادرس الان  فيها القانون. ذلك هو التخصص الذي كان دوماً الاقرب الى فلبي دائما" اضاف عصام.
اصبح  عصام بعد الدراسة محامياً مرموقاً. وحصل على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة لندن. أصبح أيضاً باحثاً اكاديمياً وفقيهاً في القانون. ونشر العديد من البحوث الأكاديمية في القانون المقارن
كان لقائي ذلك مع عصام في طريق توتنهام كورت هو اخر مرة رأيته  فيها.  وقد توفي قبل بضع سنوات   في عدن الذي كان يعشقها حتى النخاع. ولكن لسنوات عديدة قبل وفاته تواصلنا  كثيراً جداً وتعرفنا على بعضنا البعض بشكل وثيق وساعدنا بعضنا البعض في تطوير "موقع كلية عدن" على الانترنت وكذلك في  أنشطة اخرى في عدن
وكان المشهد  البارز الاخر الذي شدني   في اسبوعي الاول في لندن  هو"ركن هايد بارك " الذي هو بالفعل صورة مصغرة لا براز حرية التعبير.
  "الرجاء الانتظار حتى أضع على عيوني هذه النظارات السوداء "، قال المتحدث النيجيري للجمهور - وهو يقف على صندوق خشبي- وكنت وقتها واحد منهم. بعد ان وضع النظارات على عينيه استمر بالقول  "آه ، هذا أفضل بكثير. الآن أشعر أنني فعلاً  بين اهلي. ما اجمل كل هذه الوجوه السمراء  بدلاً من تلك الوجوه الشاحبة التي كنت أشاهدها قبل قليل" 
"حسنا، إذا كنت تريد أن تشعر حقا  بانك بين اهلك لماذا لا ترحل عائداً الى البلد الذي جئت منها،  وستكون بين الالاف من داكني اللون مثلك" رد عليه  شخص انجليزي غاضب مضيفاً وصفاً عنصرياً من الصعب ترجمته.
في  أول صباح لي في لندن، استيقظت في وقت مبكر. وكان الطقس جيداً عكس ما كنت اتوقع
"دعنا نخرج ونتمشى ونكتشف  قليلاً من لندن " قال لي زميلي محمد غانم  بحماس . و سرعان ما وقفنا عند مدخل  هارودز  أكبر متجر في أوروبا كلها الذي  يدعى أنه يمكنك شراء أي شيء تحت الشمس فيه . وانا واقف  عند مدخله فكرت في العديد من الناس الذين لابد انهم  وقفوا في يوم ما في الزمان الغابر في نفس تلك البقعة التي كنت اقف عليها تلك اللحظة. وفكرت في  اختلاف اوضاعهم الاجتماعية  مع  اختلاف أغراضهم لمجيئهم الى هارودز. هذا التفكير شدني . وقلت لنفسي " للأسف يا عبدالله لا “يمكنك’التفكير في شئ مماثل في الارض التي أتيت منها
على الفور ابتسمت لنفسي وقلت لها  "لا. هذا بكل بساطة ليس صحيحاً على الإطلاق. آنسيت زيارتك في رحلة مدرسية لصهاريج عدن القديمة. لا بد انك وقفت على حافة احدها في نفس المكان الذي وقف فيه قبلك ابن بطوطة ، الكابتن هينز ، الشاعر الفرنسي رامبو ، ابوك ، والسيد محمد علي لقمان منذ سنوات عديدة
وأستطردت "ثم كيف لك ان تنسى "علب سنبله" تلك الشجرة الشامخة العريقة الواقفه منذ زمن طويل على ارض الاجداد بمحاذاة قريتكم التاريخية . . لا بد انك حين وقفت تحت ظلالها وقفت في نفس المكان الذي وقف عليه اجدادك ولعبوا عندها عندما كانوا اطفالاً والتقطوا من عليها ثمار "علب سنبله" ( الدوم) بالتأكيد لا بد من انك وقفت في نفس المكان الذي مرت عليه رجال القرية ذهاباً واياباً اثناء المعارك في الحرب التي اصبحت “معروفة باسم " بلاء شمعة
هناك مكان أخرى كنت أحب أن أزوره في كل فرصة ممكنه- منطقة بايزواتر في لندن. كان ذلك ببساطة لأنني كنت التقي بالزملاء من عدن والجنوب. في احدى تلك  المناسبات عشت لحظات جميلة في سرد ذكريات عدن و كلية عدن مع  زملاء دراستي في عدن – افضل محمد خان وانور سحولي الذين كانا يدرسان الهندسة ان لم تخني الذاكرة 
وأذكر أيضاً في احدى المرات وجود شابة عدنية جميلة وذكيه للغاية. تلك الفتاة نالت فيما بعد ماجستيراً من كليه لندن للاقتصاد ذات السمعة العالية، وبعد عودتها الى عدن لاحقا اصبحت نجمة لامعة كمحامية واصلاحيه.  كما انها كانت عضواً في لجنة الاتصال الخاصة بالحوار الوطني  اليمني. إنها راقيه حميدان

الأيام الأولى في أرض أجنبية - الجزءالخامس
عبدالله أحمد السياري
[مع ذكريات جميلة ابعثها لآن ماكنتوش وعزيزي ابن الخيبة ابن الشيخ عثمان]

عند وصولي الى بريطانيا كانت- وقتها- فرقه "البيتلز"  في ذروة شهرتها كان
هناك ايضاً مغني انجليزي من اصول يونانية  ذي شهرة واسعة اسمه "كات
ستيفينز". وكان يطلق العنان لشعره دون حلاقه. وكان مولعاً بتعاطي المخدرات 
وكان يؤمن بحرية الشخص المطلقة في اختيار النمط الحياتية كما يشاء
"في عام 1977 اسلم  "كات ستيفنز"  وغيٌر اسمه الى "يوسف اسلام".
 قرات ليوسف اسلام  قولاً مؤخراً ذا دلالة وحصيف في معناه، وهو "احد معالم
رحلة الحياة انها تمكنك من النظر الى صفحات الماضي بضوء جديد". فعلا هذا
كلام صحيح اكتشفت صحته منذ امد. وازددت قناعة به وانا اكتب هذه السلسلة من
المقالات غير الذكريات

 عند وصولي - انا والسيده أن ماكنتوش -الى مدرستي الجديده قادنا الاستاذ شروود
الى غرفة جلوس الطلبة المشتركة في نزل الطلبة الداخلي الذي قدر لي ان اسكن
فيه نظرت عبر النافذة الواسعة التي غطت كامل جدار الغرفة الخارجي لارى ملعب
التنس تليه ملعب الكرة الطائرة وبعد ذلك، بقدر ما تستطيع العين احتوى رؤيته
رأيت المراعي الخضراء مثل سجادة مصنوعة بشكل رائع عجيب. لا عجب، إذ يقال
عن مقاطعة "كينت" انها حديقة انجلترا

في زياراتي الكثيرة الى مدن مختلفة في العالم بعد سنوات عديدة من تخرجي من
الجامعه، لاحظت أن المدن الجميلة الشهيرة تميل إلى أن تكون ذات سمات مماثله -
تلك التي تنام بتكاسل على جانب البحر مع  جبل من ورائها او حولها يحتضنها
بمحبة وحنان وكأنه يحميها من كل معتد. لاحظت ان هذا هو الحال مع اسطنبول
وبيروت و سان فرانسيسكو وطبعاً المدينة الجميلة التي اسمها عدن
أتذكر بشكل واضح انه بعد عقدين من بُعدي القسري عن عدن عدت اليها وحين
حلقت الطائرة فوقها تذكرت جمالهاوغشاني فيض من الذاكرة المتدفقة العائدة لتوها
من زمن الطفولة. لا يمكنني أن اتذكر الا ثلاث مرات فقط  في حياتي عندما - و
بشكل غير متوقع - انسابت دموعي بشكل فجائي وبدون سابق انذار وبغزارة رهيبة
واحدة من تلك المرات كانت عند وصولي إلى عدن بعد طول غيبة  قسرية عنها.
كان ابن أختي محمود في المطار لاستقبالي وقادني - بيدي- الى خارج المطارحيث لم
اتمكن من رؤية طريقي من خلال الدموع الكثيفة قلت لمحمود في رحلتنا من المطار
الى البيت  "لماذا  تبدو المسافات أقصر بكثير مما كانت عليه في طفولتي؟".عند
وصولي الى بيتنا كان اول شئ قمت به هو تفقد كل ركن فيه، وقلت لنفسي
وقتها "لماذا منزلنا الذي شعرت دائماً  بانه هائل الحجم، لا يبدو كذلك
الان؟"عجباً"؟" 

عندما جلست في تلك الغرفة المشتركة للمرة الأولى بينما كانت السيدة ماكنتوش
والسيد شيروود يتحادثان مع بعض، لاحظت وجود جهاز التلفزيون - والذي،
بالمناسبة، كان يُسمح لنا بمشاهدته لمدة ساعتين فقط في المساء - كما لاحظت الى
جانبه جهازاً لتشغيل الاسطوانات الموسيقية مع العديد من الاسطوانات الى جانبه
موضوعة بانتظام. وبعد  بضعة أيام كنت ابحث بين الاسطوانات تلك وعثرت على
أغنية لفرنسواهاردي مع لحن جميل جداً يبداء بالكلمات التالية
في كل اركان العالم
يلتقي الناس ويفترقون
ولكن هناك شخص مثلي
يحس بالام تسكن قلبه
لحن حزين، وجدت فيه وقتها انعكاساً لمشاعر متوغلة داخلي وكلمات احسست
بصداها  نابع من صميم روحي. أنا لن أبالغ ان قلت أنني سمعت تلك الاغنية متاملاً
كلماتها مرات كثيرة لاتحصى

كان أول عام لي في بريطانيا ليس بعام سعيد. شعرت انني من خارج المكان
والزمان.أعلم الآن أن هذا كان جزئياً خطأي انا. لعلي لم ابذل قصارى جهدي
لانصهر بمن وما هو حولي كما ينبغي علي. ثم انني  لم أشكو لاحد حالي. كنت أتكتم
وأخفي مشاعري اكثر من البريطانيين، واتظاهر بان كل شيء على ما يرام. يسمون
ظاهرة  اخفاءالمشاعر هذه في بريطانيا "الشفة البريطاني الاعلى الصلب". ربما
انني تعلمت ذلك من والديٌ يرحمهما الله ربما للاعتقاد ان الشكوى (الا لله) هي
علامة على الضعف، ويبدو أن هذا الاتجاه (للأفضل أو للأسوأ- لست متاكداً من
ذلك)،انتقل إلى أطفالي، الا انني اجزم ومازلت أشعر- أنه كان ينبغي على مسئولي
المدرسةان يعينوني على التأقلم والاستيعاب في تلك البيئة المدرسية الغريبة كل
الغرابة
 كانت المدرسة رائعة من ناحية إنجازاتها الاكاديميه. وقد مكنتني على الحصول
على القبول في واحدة من أفضل كليات الطب في انجلترا(في جامعة لندن). الشئ
الذي انا متأكد منه بالكامل أنه حالما انضممت إلى الجامعة شعرت بالسعادة
كثيراً،وشعرت على الفوربالانتماء بمحيطي

في صباح اليوم التالي عند وصولي إلى لندن،خرجت مع زميلي محمد غانم
لاستكتشاف لندن. ومررنا بمتجر هارودز، ثم اخذنا مترو لندن إلى "مكتب
عدن" في 95  شارع بارك لين، حيث التقينا بالسيدة الرائعه آن ماكينتوش التي،بعد
أسبوع من ذلك،اخذنتي إلى مدرستي الجديدة في كينت - ذكرني مؤخراً باسمها سعادة
الدكتورعبد الله ناشر الذي درس الطب في جامعة ليفربول
أخذنا القطار تحت الأرض من محطة نايتسبريدج على خط بيكاديللي وغيرنا  القطار
في  محطه هولبورن على الخط "المركزي/الاوسط" ونزلنا في محطة "ماربل ارش"
الاقرب الى مكتب عدن. وعلى الفور لاحظت أن الكثير من الناس في القطار
منشغلون بقراءة  الصحف التي في اياديهم. ولاحظت ظاهرة ملفتة ان من كان منهم
لابساً ملابس رسمية ويبدو عليه انه من الطبقة المجتمعية الوسطى يميل إلى قراءة
جريدتي "التايمز" أو "ديلي تلغراف" والشباب الذي يبدو انهم طلاب الجامعات
يقروؤن جرائد من نوع "الغارديان" بينما اولئك من  الطبقة العاملة يميلون الى
قراءة مجلتي "صن" أو ميرور

بعد أشهر  من وصولي الى لندن، وفي ليلة احد عطل نهاية الأسبوع وبينما كنت في 
انتظار وصول القطار في واحدة من محطات المترو، دخل  ثلاثة شبان في حالة
سكر واضح ورمى احدهم علبة بيرة فارغة ناحيتي لم تصبني الا انها مرت قريبة
من وجهي وصاح احدهم "عد الى بلادك يا "باكي"  قذر" ("باكي" هي صفة للتحقير
يوصف بها العنصريون المهاجريين الباكستانيين).علمني هذا أن اتجنب استخدام
المترو في الليل خاصةٌ في عطل نهاية الأسبوع
تلك التجربة - فضلاً عن غيرها من التجارب المماثلة أيضاً - علمتني درساً قيماً
آخراً وهو أن العنصرية والتمييز هي من الأمراض التي تسود جميع المجتمعات.
وتزيد درجتها طردياً مع الجهل و تدني مستوى التعليم في المجتمع، وتزداد سوءاً
أيضاً في أوقات الكساد الاقتصادي. يبدو كما لو كان الناس في حاجة نفسية ملحة
لإيجاد كبش فداء لإلقاء اللوم على مآسيهم، ويجدون في الأجانب المهاجرين وكذلك
في الناس من لون مختلف أو دين مختلف هدفاً سهلاً 
تعلمت من تلك التجارب درساً شخصياً اخراً اطبقه على نفسي من وقت الى اخر
وهو بشكل اختبار وفيه أسأل نفسي" عبد الله، هل ستحتج ان رايت شخصاً يُعامل
بطريقة تمييزية "وثمه اختباراخرعلى شكل سؤال ايضا، "يا عبد الله  هل كنت
تفعل أو تقول الشيء نفسه تجاه شخص معين تحت ظروف مماثلة إن كان هذا
الشخص من مكانة اجتماعية مختلفةأو انه ينتمي الى لون أو عرق ثان." لقد وجدت
هذين الاختبارين مفيدين لي لتبيان الدوافع والشجاعة (أو انعدام الشجاعة) عندي
عندما يتعلق الأمر بالسلوك التمييزي من قبلي ثم أن هناك الدرس الأهم الذي تعلمته
أيضاً،وهذا هو وجوب أن يفرض المجتمع/الحكومة قوانين صارمة وعقوبات
واضحة لأي سلوك عنصري أو تمييزي من قبل الأفراد أو المؤسسات. بريطانيا
لديها هذه القوانين الآن ولكن لم يكن لديها ذلك بشكل واضح عندما وصلت اليها
كطالب في مدرسة
 
انا وصديقي محمد الخريبي - ادعو المولى ان يتغمده برحمته-  كنا نبحث عن غرفة
للإيجارللعيش فيها، وذلك بعد التحاقي بالجامعة. راينا اعلاناً عن وجود غرفة
شاغرة للإيجار في شرق لندن. طرقنا باب المنزل وقلنا للشابة التي فتحت الباب لنا
"نحن هنا لاستئجارالغرفة لديكم يا سيدتي"وردت علينا سريعاً "عذراً نحن لانحب
ان يسكن الملونون معنا " قالت السيدة الشابة بلهجة  الطبقة العامية الشرق لندنية
"لا تقلق" قالها لي محمد"رأيت منزلاً آخراً في نهاية الشارع يعلن عن وجود غرفة
شاغرة للإيجار. دعنا نذهب إلى هناك". بعد ان طرقنا الباب وحتى قبل ان يكون
لدينا الوقت لقول أي شيء بادرنا رجل عجوز بلهجة الطبقة العامية الشرق لندنيه
"ليس  لدينا غرف للإيجار- اروني ظهوركم"
لو كانت هناك قوانين محددة ضد التمييز -وقتها- هل كنت ستتقدم بشكوى رسمية؟ 
أنا لست على يقين من أني كنت قد فعلت ذلك. الا انني اُنبسط جداً عندما اقرأ الآن
عن شخص يتقدم بشكوى رسمية عن تمييز تعرض له. وانبسط اكثر عندما يتقدم
شخص بشكوى ضد تمييز اصاب غيره". كل ما يمكنني قوله هو انني أشكر الله على
وجود محمد قريباً مني في ذلك المكان. بارك الله فيه، رفع معنويتنا المتدنية وقتها اذ
كانت له موهبة العدني المذهلة في نشر روح الفكاهة والبهجة، الى جانب ما لديه
من حس النكتة وكذلك النظرة الإيجابية للحياة. كنت – في الواقع-  ابحث عن اية
عذر لزيارته في شقته حيث كان يعيش مع زوجته كي احظى على كوب او اكثر من 
الشاي العدني الملبن او على وجبة عدنية في بعض الأحيان. زوجته -- مثله - كانت
من اهالي الشيخ عثمان ومن عائله "المقطري" المعروفة. وكان اخوها – كما اذكر-
يتدرب وقتها ليكون قبطاناً بحرياً ليعود الى عدن وليعمل في ميناء عدن

 بعد مغادرتنا لمكتب عدن بعد اول زيارة له، ذهبت مع  محمد غانم نبحث عن مطعم
للاكل واجهنا مشكلة دائمة تواجه كل مسلم قادم لاول مره إلى بلد  غير مسلم وهو
ان يعرف اي اللحوم  المعروضة للبيع ليست من الخنزير؟ وما جعل الامراكثر
صعوبه  هو  فرز الأسماء العديدة  التي يعطونها هناك لأصناف لحم الخنزير (اما
حسب طريقه طبخها او  حسب الجزء من الحيوان التي اتت منه) فضلاً عن صعوبة
فهم ماذا يعني "فييل" (لحم العجل) او "كراب"(سرطان البحر) اضف الى ذلك اننا
كنا في حيرة من امرنا حول مكونات "الهامبرغر" وهل هي فعلاً فيها لحم
الخنزير(هام)  "والهوت دوج" وهل هو فعلاً مصنوع من لحم الكلاب الحار

في وقت لاحق من ذلك المساء، ذهبت مع  محمد لمشاهدة فيلم في دار سينما عريقه
في  ليستر سكوير . وكانت تلك هي المرة الأولى في حياتي التي اذهب فيها الى
السينما

الأيام الأولى في أرض أجنبية - الجزء 6 
عبدالله أحمد السياري 
(في ذكرى السيده "ميري مكنيل" وايام الأربعاء المفيدة)

في المدرسة التي التحقت بها في مقاطعة كنت الانجليزية كان علي ان اعمل تدريباً عسكرياً بعد ظهر يوم الاربعاء (مرة كل اسبوعين) وان اعمل عملاً ذا صبغة اجتماعية مرة كل اسبوعين بعد ظهر ايام الأربعاء الاخرى
و اخترت ان ازور دار العجزة في المدينة الذي كان يقع بجوار متجر للملابس يدعى  هورن كاسلس على الطريق الرئيسي للمدينة، وهو نفس المتجر الذي اشتريت منه البدلةالمدرسية الرسمية
كان التدريب العسكري مشابهاً وان لم يكن مطابقاً للتدريب العسكري الذي كنت اقوم به في كلية عدن مع فرق هام وهو انني خيرت في التركيز في التدريب على احد فروع القوات المسلحة الثلاث الى جانب الإمكانات الكثيرة في المدرسة الإنجليزية حيث احتوت التدريبات على اشكال تبعث على روح المغامرة وتجنب الملل اتناء القيام بتلك التدريبات، والذي فهمته من احدهم - ولعله كان صديقي عصام غانم - يرحمه الله - هو ان بداية التدريبات العسكرية تلك في كليه عدن كانت نتيجة اقتراح وحث من قبل السيد زين عبده باهارون رئيس وزراء عدن وقتها. وقد قيل لي ان مقصد السيد باهارون هو من اجل حث العدنيين للالتحاق بالجيش والسلك العسكري عموماً ولتقريب فكرة العسكرة اليهم (هناك صوره رائعة - على موقع خريجي كليه عدن- لعصام في اللبس العسكري وهو يحيي (الاستاذ عبدالله الصعيدي وزير التعليم في عدن وقتها

نظام التدريب العسكري هو تقليد معروف بين مدارس بريطانيا الخاصة العريقة تحت مسمى "قوات التدريب العسكري المشتركة" وقرات ان "ديفيد كاميرون" رئيس الوزراء البريطاني بصدد تمويل نشاط مماثل ليشمل حتى المدارس الحكومية.والهدف المعلن لهذه الأنشطة التدريبية العسكرية هو "لتطوير القدرة والموهبة القيادية بين طلبة المدارس ولتعزيز صفات المسؤولية، والاعتماد على الذات، والتحمل والمثابرة بينهم". ان سألتني هل اعتقد بصحة هذا الاهداف لا جبتك بنعم. تجربتي تقول انهم كانوا محقين في رؤيتهم تلك ولعل هذا هو السبب الذي من اجله يرى كثيرون فائدة تجنى من فرض التجنيد الاجباري للشباب (الا اني لا انحو تجاه هذا المنحى) ألا ان وزارة الدفاع البريطانية لا تخفي ان لها قصد اخر في نشاط " قوات التدريب العسكري المشتركة.ويكمن ذلك في تشجيع بعض من الطلبة للالتحاق كضباط في القوات النظامية أو الاحتياطية البريطانية
بيتر الذي قام بتدريبنا كان اسكتلنديا - وكان حريصاٌ كل الحرص للتاكيد لنا انه اسكتلندي بزي انجليزي. اوصل تلك المعلومة لنا بفخر واعتزاز في اول لقاء لنا معه. لو كان بيتر حياً الان اجزم دون تردد انه كان ليصوت تجاه استقلال اسكونلندا من بريطانيا في الاستفتاء الذي سيقام اخر السنه
بيتر هذا كان - كما تبين لي لاحقاً - يعكس بالكامل شخصية "رقيب التدريب" في الجيش البريطاني حسب النمطية المشهورة في قسوته وخشونته واسلوبه الجلف وتفانيه في إنجاز المهام الموكلة إليه
يا فتيان اعتبروا انفسكم تحت تصرفي الكامل خلال هذه التدريبات. من الان فصاعد” ستعملون كل ما امركم به دون مناقشه".  هكذا بداء حديثه معنا. وفي نهاية اول جلسة تدريبية معنا قال لنا "اُخبرت قبل ان اقابلكم اليوم ان مهمتي اليوم هي تدريب فتيان، وفوجئت انني - في واقع الامر- امام مجموعة من الفتيات بدلاً عن ذلك"، قال ذلك مستهزئاً بمستوى ادائنا ولياقتنا البدنيه

في اول زيارة لي الى نزل رعاية المسنين قادوني لمقابلة السيدة "ميري مكنيل " لاول مره. كان وجهها ملئ بالتجاعيد وكذلك رقبتها التي كانت تحاول اخفائها بوضعها لوشاح حوله.بادرتني بالقول " تعرف انا اموت في الاكلات الهنديه انا من مواليد الهند قضيت فيها اغلب طفولتي. والدي كان مدير خدمات القطار في كلكلتا. اذكر انني عدت لزيارة والدي في كلكتا من انجلترا في اجازة الصيف، واذكر ان "ابي كان غير راض عن قرار الحكومة البريطانية نقل العاصمه من كلكتا الى دلهي الذي حصل
وقتها. سالتني "هل زرت كلكتا؟"
قلت لها " انا لست من الهند انا من عدن وبالمناسبه المأكولات العدنية تأثرت الى درجة كبيرة بالمطبخ الهندي، ولذا اجزم انك ستحبينها ايضا " . كان المطلوب مني في زياراتي الى النزل هو الحديث مع كبار السن هولاء من اجل تسليتهم وتقليل الملل لديهم نتيجة تشابه الايام في حياتهم. واتضح لي – سريعاً - انهم يسلوني اثر مما اسليهم
ويعلموني الكثير بتطرقهم لحياتهم وتجاربهم الحياتيه الثريه

طالما اعتقدت ان احد مزايا المجتمعات التي تتصف بوجود " العائلات الممتده او المتوسعه" بين ظهرانيها هي ما نراه من تطورير العلاقة الرائعة والمنتجة التي بين الاحفاد واجدادهم – علاقة ذات فائدة للجانبين
 انه عالم صغير بالفعل" اضافت السيده مكنيل " انا مريت - وانا في سن المراهقه على عدن في احدى رحلاتي البحريه بين بريطانيا والهند. لا زلت اذكر الجبال التي كانت تحتضن المدينه من ثلاث جوانب كما اذكر اني زرت حديقة قريبة من الميناء شاهدت فيها نصباً للملكه فكتوريا. لكن لا اخفي عليك ان الطقس  كان حاراً جداً ورطباً بالنسبة لي". قلت لها بلهجة المعتذر "لابد انك زرتيها في اوج شهور الصيف".  سالتني "هل تعرف ان هناك موسيقى معروفه تعزف من قبل الفرق الموسيقية العسكرية تستعمل فيها مزامير القربة الاسكتلندية اسمها "صخور عدن الجرداء". قلت "لا لا اعرف ذلك"
وفي زياراتي المتتالية مرة كل اسبوعين بعد الظهر ايام الاربعاء اخبرتني "ميري مكنيل" عن زوحها واولادها واحفادها والكثير الكثير عن اخبار الحرب العالمية الثانية من منظورها
استمريت مع السيده "ميري مكنيل" في تبادل بطاقات عيد الميلاد لعدة سنوات بعد مغادرتي للمدينه، ثم توقف ارسال تلك البطاقات فجأه ولم تجب على بطاقاتي
عندما انظر إلى الوراء في الزمان والمكان اقول لنفسي ، "نعم لقد
"استفدت كثيراً  يا عبدالله من ظهر ايام الأربعاء  

الايام الاولى في ارض اجنبيه - الجزء 8
عبدالله احمد السياري
Hansa German carفي ذكرى آمال وتطلعات الذين حضروا تلك المقابلة التلفزيونية وفي ذكرى ألسياره) (الخضراء الصغيرة

 البس بدلتك وهيا بنا نخرج" قال لي محمد الخريبي الذي  كنت اشاركه المعيشة في غرفه استأجرناها في منطقه "نيوكروس" في شرق لندن بعيد التحاقي بجامعه لندن.
الى اين ؟" سالته
 الى محطة التليفزيون لانهم طلبوا عدداً من الطلبة من الجنوب العربي لمناقشة” استقلال الجنوب العربي"  اخبرني محمد بحماس واضح.
“قلت له " انت تعرف – يا محمد -انني لا اميل الى السياسة والتفكير فيها
قال محمد " الموضوع - اخي عبدالله -لا يتعلق بالسياسة بل بالاحتفال بمولد بلد عربي “حر جديد
 فعلاً،  شعر الكثير  منا وقتها بالفرحة لذلك الحدث
بعد خروج محمد حمدت الله ان لدي بعض العملات المعدنية لتشغيل كهرباء
الغرفة لبعث الروح في المدفئة  في تلك الليلة الباردة.  كان توفير عملات
معدنية باستمرار امر مهم للحياة اليومية في لندن،  لاستعمالها في المكالمات التلفونية او في مغاسل اللباس العامة (التي كنت اكره زيارتها واعتبرها - مثلها مثل الحلاقة - "شراً لابد منه").اضف الى ذلك انك كنت  تحتاج الى عملة معدنيه من فئة ال "بيني" لفتح ابواب المراحيض في الشوارع العامة لاستعمالها عند الحاجه. ولهذا ستجد الإنجليز
- الى يومنا هذا- عندهم تعبير شائع يقولون فيه "سأذهب لا نفق بيني" ويقصدون بقول هذا  انهم ذاهبون الى المرحاض لقضاء حاجتهم
لم اذهب مع محمد الى محطة التليفزيون (وان لم تخني ذاكرتي كانت تلك المحطة هي محطة البي بي سي الشهيرة). لكنني شاهدته مع ما يقارب العشرة من الطلبة الجنوبيين يتحدثون بحماس واضح عن تفاؤلهم بطلوع شمس جديدة على بلدهم ترفع من شانه بين الامصار ويعبرون عن تطلعهم الى العودة اليه لخدمته. واعتقد انهم كانوا يعنون ما يقولون حينها عن امالهم وتطلعاتهم 
كنت اعيش مع محمد في غرفة واحدة. وكان جارنا في الغرفة المجاورة عامل باكستاني يشاركنا في الحمام والمطبخ الضيق جداً واستعمال التلفون المعلق على الجدار عند مدخل البيت. كان  يخيٌل الي انه يقضي  جل وقته يطبخ اصنافاً من آكلات باكستانية/ هندية  يسيل لها لعابي اذ انني ومحمد كنا قليلي الحيلة في  فنون الطباخه. وفي زمن لاحق علمت نفسي طباخة بعض الوجبات البسيطة
لم اكن اميل الى الخوض في السياسة ولم اكن يوماً عضواً في حزب او منظمة سياسيه، رغم  جنوح الكثير من الشباب للاشتراك  بالفكر والحركات السياسية  في ذلك الوقت.
وأذكر أنه عندما كنت طالباً في كلية عدن كنت حقاً مستاءاً جداً من  توقف الدراسة ووقوع المظاهرات الطلابية لدوافع سياسية. ومرد استيائي لم يكن سياسياً بل لخوفي من أن يعيق ذلك ذهابي الى بريطانيا للدراسة  الذي كان هدفي الذي لم يتزعزع من أول يوم انضممت فيه إلى كلية عدن. كنت قلقاً للغاية أن هذه المظاهرات الطلابية ستعطل هدفي هذا وتعيقه.
اذكر ان في اواخر عهدي بكلية عدن صُدر قرار بإيقاف ارسالنا الى بريطانيا للدراسة وعوضا عن ذلك ارسالنا  الى الجامعة الأمريكية في بيروت حتى اذكر اننا خضت مع زملائي في كلية عدن اختباراً خاصاً للقبول في تلك الجامعة (وكانت تلك اول مره اتعامل مع امتحان من صنف "أسئلة متعددة الخيارات"). اقول انني  شعرت بضيق وحزن شديدين لهذا الخبر، لانه سيحرمني من الذهاب الى بريطانيا. ولم اكن اعلم وقتها ان كليه الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت كانت (ولاتزل) ذات سمعة مشرفة على مستوى العالم. بل ان اثنين من زملائي في الدراسة في كلية عدن ممن بعثوا لدراسة الطب في تلك الجامعة العريقة  يعملان الان في الولايات المتحدة. احدهما في طب العيون في تكساس والاخر في طب الكلي في بنسلفانيا.
 كان هناك من بين الطلبة العدنيين من كلية عدن الذين التحقوا بالجامعة الأمريكية في بيروت من تخصص في علوم شتى اخرى منها الهندسة والزراعة والمحاسبة.
لازلت احتفظ برسالة كتبتها الى السفارة الفرنسية في عدن طالباً الالتحاق بكلية طب في فرنسا.كما احتفظ ايضاً بردهم عليها. كان ذلك بعد ان احسست بان باب  المنح الى بريطانيا قد اغلق الى ان وفقني الله بتلقي منحة للدراسة في بريطانيا من قبل المجلس البريطاني

قلت انني لم اكن اميل الى الخوض في السياسة الا انني اتذكر ان  كثيراً من الطلبة الجنوبيين عندما كانوا يجتمعون في لندن  كان ديدنهم ان يتناقشوا في مواضيع متعلقة بالسياسة. واذكر ان من بين اولئك من- في وقت لاحق  - صار وزيراً للمعارف واخراً وكيلاً لوزارة وثالثاً سفيراً معتمداً في اماكن كثيرة من ارض الله الواسعة.

عندما كنت في المدرسة في مقاطعه" كينت"،  كنت انتظر بفارغ الصبر عطلة نهاية الاسبوع لأخذ القطار الى محطة " تشارنج كروس"  في لندن ومنها الى وسط  لندن لا قابل اصدقائي من عدن واحياناً اُخر استقل المترو من محطة " تشارنج كروس" عبر خط المترو الدائري الى محطة "بادتينجتون" ومنها اخذ القطار فوق الارضي الى مدينة ريدنج" لمقابلة  ابي بكر السياري - ابن عمي
في احدى المرات انتظرني ابوبكر – كعادته – في محطة قطار "ريدنج" واخذني مبتسماً  الى سيارة قديمة صغيرة خضراء اللون من نوع هانزا  ليفتح بابها، ويقول لي " لقد اشتريت هذه السيارة. ما رايك فيها؟"
لي ذكريات جميلة مع تلك السيارة الصغيرة ذات البابين. فقد سافرت مع ابي بكر فيها الى اماكن كثيرة في انجلترا ومنها لندن واكسفورد وكامبريج وبرايتون "ومنطقه البحيرة" ذات الطبيعة الجذابة
في رحلاتي تلك الى ريدنج كث اقابل كثيراً من زملاء ابي بكر من مختلف البلدان العربية. ومن بين من قابلتهم  اذكر  عاطف وجرجس من مصر وعباس وعمر ودلير من العراق. والهادي من السودان وعيسى من قطر وحيدر من سوريا. كانوا يتمتعون كثيراً بمجالسة بعضهم البعض والطبخ لبعضهم البعض والسهر مع بعضهم البعض . تعلمت منهم اللهجات العربية المختلفة والاكلات العربية المتنوعة واستمعت لأول مرة لانغام سودانيه وعراقيه

ذكرت في مقال  سابق انه في مساء اليوم الثاني لوصولي  إلى لندن ذهبت مع صديقي محمد غانم  لمشاهدة فيلم في السينما في "الوست اند" من لندن حيث دور السينما والمسارح و الحياة الليلية تزدهر عموما حتى يومنا هذه. وكانت تلك المرة الأولى في حياتي ازور فيها  السينما.

 لازلت اذكر  الفيلم الذي ذهبت لرؤيته ذلك المساء في  "الوست اند" في لندن. كان اسمه " واكو " بطولة هوارد كيل و جين رسل


الايام الاولى في ارض اجنبيه - الجزء 9
عبدالله احمد السياري
( في ذكرى زيارتي الاولى والاخيره ل "ابتون بارك" لمشاهدة فريق وستهام يونايتد")

 خلال ايام من وصولي الى لندن شدني بأعجاب شديد مترو لندن قطار تحت الارض واهميته القصوى في مختلف مناح الحياة هناك وكذلك ركن المتحدثين في هايد بارك
ولم تمر ايام كثيرة اخرى حتى انتبهت لبعض الظواهر الاجتماعية الإنجليزية  التي كان علي ان اتعامل معها
 لاحظت – مثلا- ان الإنجليز مولعون  بالوقوف صفاً في طوابير عند انتظارهم لخدمة ما مثل الانتظار لقدوم الحافلات (التي بالمناسبة كانت حمراء اللون  ذا ت طابقين ودقيقه في مواعيد مرورها الى درجة تستدعي الاعجاب) وظاهرة الانقياد بالطوابير هذه تعكس نضج اجتماعي واعتراف جمعي ضمني  بان الناس يستحقون بل من حقهم ان يتوقعوا المعاملة  بالتساوي فيما بينهم

اذكر في طفولتي ان  ابي اخذني  في سيارة من صنف "ساب" السويدية الصنع  وهي اول سيارة نمتلكها وعند دنونا من دوار "خور مكسر" ونحن متجهين اليه  من ناحيه المعلا سالته: "لماذا تقف على هذا  الجانب
المسار من الطريق رغم ازدحامه بينما نرى ان الجانب الاخر ليس فيه العديد من السيارات . قال لي " لأننا سنعمل دورة  كاملة  على الدوار  قبل ان نعود الى الاتجاه المعاكس ولو كنا تاركين الدوار في اول وثاني مخرج نقابله فيه لاخذنا المسار الاخر." واضاف "هذا هو النظام  وعلينا اتباعه".  لاحظت ان كل من كان في ذلك الطابور من السائقين في ذلك اليوم عند دوار خورمكسر كان متقيداً بهذا النظام دون استثناء. تلك السيارة الساب ذات اللوت الازرق الفاتح التي اشتراها والدي  من وكالة  "العاقل" في المعلا كانت صغيرة جداً في حجمها، ورغم ذلك  كانت تتسع لكل افراد العائلة الكثيرين دون تذمر من احدهم، وان اشتكى احدنا سمعنا ابي – يرحمه الله - يقول " النَفَس في “القلوب
العاقل كان وكيلا لبضائع كثيرة في عدن بل ان تجار عدن كانوا الوكلاء المعتمدين الوحيدين لكثير من البضائع على منطقة الجزيرة العربية كلها في ذلك الحين
اذكر ان والدي اشترى شتلات لفاكهة البرتقال من محل "العاقل" نفسه لزراعتها قرب قرية الاهل التاريخيه

 ظاهرة اجتماعية لفتت نظري ايضاً بين الانجليز في قطارات المترو هي انهم لا يسلٌمون على بعض او يتحدثون مع بعض الا ان كانوا يعرفون بعضا. وعندها يفعلون ذلك بصوت خافت الا في اخر الليل وتحت تاثير الكحول حيث يطلقون لاصواتهم العاليه العنان ويتحدثون باصوات عاليه.
ثمة ظاهره اخرى انتبهت لها  وهي  انهم لا يطيقون ان يقرأ احدٌ جرائدهم المفتوحة من وراء ظهورهم او من فوق اكتافهم ويبدون تضايقاً واضحاً ان حدث ذلك بان يرمقوا الذي يتجراء على فعل ذلك  بنظرة تكاد ان تفترسه، ويتبعون ذلك بان يضمٌا صفحتي  الجريده المفتوحتين  ويقربانهما من بعضهما البعض لجعل  الزاويه المتاحه للقراءة اكثر حدة  (ولقد اكتشفت انني بدأت اتصرف مثلهم عند قرأتي للجرائد  على القطارات او في (المطاعم بعد مكوثي في لندن لعده اسابيع
 الا ان كثيراً منهم كان يترك جرائده في القطار عند مغادرته  ليقرأها  الاخرون ولقد استفدت من هذه الظاهرة كثيرا
“عندما كنت اسافر بين محطة "نيوكروس" حيث كنت اسكن الى محطة "تشارنج كروس في طريقي الى الجامعه، كنت ارى امراة لا تفارق  عيونها رواية تقراها دون توقف طوال الرحلة واجزم انها كانت تقرأ رواية جديدة كل يومين.
بداء لي ان النساء كن يملن الى قراءة "الروايات الرومانسية" في هذه الرحلات القطاريه.
بعد وقت قليل من وصولي الى لندن قمت مع ابن عمي ابي بكر بزيارة
"السيد بد" في وستهام على بعد 10 كيلومتر شرق تشارنج كروس. السيد بد كان ضابطاً في الجيش البريطاني وقضى وقتاً طويلاً ملحقاً بجيش الجنوب العربي. وكانت تربطه صداقة قوية مع والدي .
عند وصولنا الى بيته عرفٌنا على زوجته  التي كان عملها يكمن في انها  تزور النساء في بيوتهن لبيع منتجات التجميل لهن. كما عرفٌنا المستر بد الى ابنة له  في العشرين من عمرها مع صديقها الذي كان يبدو انه لا يشبع  من ضمها الى حضنه وتقبيلها على شفاهها امامنا وامام والديها
وبعد ان شربت الشاي معنا تركتنا البنت مع صديقها للرجوع الى الشقة التي يعيشان فيها. قلت لنفسي "هذا شئ غريب".بعد مغارتها دخل "ديفيد"  ابن "السيد بد" البالغ الثامنة عشرة من العمر وقالت لي امه وكأنها مفتخرة بذلك: "لقد طلبنا
من "ديفيد"  مغادرة البيت والعيش في مكان اخر بعيداً عنا عندما بلغ  الثامنة عشرة من “العمر." قلت لنفسي  مرة اخرى " يبدو ان هذا شيئاً غريباً

كنت اتطلع الى الذهاب مع ابي  بين الوقت والاخر الى مخزن يقع الى جانب "وكالة العاقل" في المعلا. اذكر ذلك المخزن جيداً اذ كان ملئ بالكباش التي تورٌد من الصومال وعند عودتنا الى البيت يرافقنا احد هذه البرابر .كما كنا نشتري لحماً مقدداً ميبساً معداً على الطريقة الصومالية اللذيذه فاتني اسمه اللحظة

اخذنا "السيد بد" الى مكان  قريب الى قلبه وقريب من بيته – استاذ كرة القدم  التابع لنادي "وستهام يونيتد" واسم هذا الملعب هو "ابتن بارك" حيث كان يلعب ذلك الفريق ليلتها  ضد فريق "لستر سيتي".كان السيد بد وابنه في غاية السعادة وهم يشاهدون فريقهم المحلي المفضل يلعب.نظر الينا السيد بد وقال"اتعرفان ما هي كنية فريق وستهام؟ انها "المطارق." "اتعرفان متى تاسس فريقنا هذا؟" لم نكن نعرف عن وجود فريق اسمه وستهام ناهيك عن عام تاسيسه.وعندما حس السيد بد بجهلنا المطبق حول خبايا وتفاصيل وعراقة فريقه قال "تاسس في عام 1901". ثم اشار  بتحمس جلي الى لاعب من لاعبي وستهام في وسط الملعب وقال "هذا هو بوبي مور الذي كان رئيس الفريق الوطني الانجليزي الذي فاز بكاس العالم في الكره".وهو يحدثنا بدا احد مهاجمي وستهام بشن هجوم مفاجئ على مرمى الفريق الاخر وسمعت اصوات التشجيع الهادر من جانبنا من الملعب بينما كان يقول لي "ديفيد" وبصوت عال  وكلمات سريعه توازي في سرعتها سرعة هرولة الهجوم الجاري وقتها قال "هذا هو اللاعب الفريد من صنفه "جيف هيرست" الذي سجل الهدف الاول ضد المانيا الغربية في نهاية كاس العالم الذي فزنا به". انهزم فريق وستهام في ذلك اليوم (1-0) لصالح لستر سيتي  وسمعت "السيد بد"  - ونحو نهم بمغادرة الملعب، "كان من المفترض ان يفوز فريقنا لولا الانحياز الواضح للحكم ضده. الم ترى انه حرمنا من  هدفين سجلهما جيف هيرست بقراره ان  اللاعب كان “متسللا وهو لم يكن كذلك
اكتشفت ما بعد ان هذا ديدن المتحمسين من مناصري فرق القدم  في كل العالم عند خسارة فريقهم، وذلك بان يجدوا مبرراً لهزيمتهم "الظالمه" او انهم يلومون مدرب فريقهم ويطالبون باقالته على الفور
ذلك اسلوب معروف كدفاع نفسي يسمونه في علم النفس "التحويل النفسي" او "الانكار اثناء المباراه كان  ديفيد يعلٌم ابابكر  – وهو يتحدث اليه  ببطء كاستاذ يتحدث الى  طفل صغير- قواعد اللعب في كرة القدم بينما كان ابوبكر ينصت اليه بادب وصبر
عند عودتنا الى مقر سكننا قال لي ابوبكر بامتعاض" كنت اود ان اخبر ديفيد اننا على دراية تامة بقواعد كرة القدم بل ان اول نادي وفريق لكرة القدم على مستوى الجزيره العربيه وُلِد في عدن في سنة قريبة  من السنة نفسها التي تاسس فيها فريقه". ثم اضاف  ابوبكر"لا بل ان كل المفردات المتعلقة بقواعد لعب كره القدم التي كان ديفيد يخبرني عنها هي نفس المفردات التي نستعملها في عدن وان بعد "عدننتها" الانسان – لكي لا يفقد عقله- يجنح الى اتباع السبل والفكر الذي ياتي له بالراحه النفسية  للتصدي لمواقف يقابلها مثل"التحويل النفسي" او "الانكار".   وهذا يذكرني بصنف من “اصناف فلسفه الاخلاق المعروفه "بالنفعيه" او"العاقبية 
 احد مؤسسي هذه الفلسفة هو الفيلسوف الانجليزي "جيريمي بنثم" الذي عاش بين عامي 1748 و 1832 .
 لم اكن يدور بخيالي انني ساقابل هذا "جيريمي بنثم" وجها لوجه بعد شهور من زيارتي لملعب وستهام
الغريبه انه بالرغم من انني لم ازر "ابتن بارك" مرة الا انني اعتبرت نفسي دائما وحتى الان احد مشجعي فريق "وست هام يونايت
 فريق وستهام في هذه اللحظه يحتل مركز رقم 12 في جدول الدوري الممتاز الانجليزي

الأشهر الأولى في أرض اجنبيه - الجزء10  
عبدالله أحمد السياري
Alsayyari museum copyفي ذكرى مقابلتي وجها  لوجه مع جيرمي بنثام  بعد قرن من وفاته وذكرى استاذي في- -علوم الكيمياء الحيوية البروفيسور براكاش داتا

كان النظام التعليمي في بريطانيا عند سفري اليها  – واخاله لايزال كذلك  حتى الان يفرض على الطالب المتقدم للقبول الى الجامعة ان يقدم طلباً لذلك يحتوي على قائمة لست جامعات يفضل الالتحاق بها حسب اولية تفضيله لها. وعليه فعل ذلك في سنته الأخيرة في المستوى العالي من الدراسة حتى قبل جلوسه لامتحان تلك المرحلة التي تمتد لمدة سنتين.
في استطاعة أي من  الجامعات الست تلك ان ترفض طلبه على الفور او ان تطلب قدومه لمقابلة معه وينتهي الامر بعدها اما برفضه او بالعرض عليه قبولاً مشروطاً بتحقيق  درجات معينه في الامتحان النهائي
وبما انني كنت اتطلع الى  الانضمام إلى كلية الطب كان يتعين علي ان  أدرس الكيمياء والبيولوجيا والفيزياء في المستوى العالي وان امتحن  فيها عند نهايته . الا اني  ايضاً شاركت في امتحان اللغة العربية للمستوى العالي من باب تحسين سيرتي الذاتية.
ان طراء لك بعد ما قرات  أنه يتم منح الطلاب عروضاً مشروطة متفاوتة للقبول الجامعي، فستكون محقا في ذلك، حيث غالباً ما يُعتمد على نتيجة المقابلة في تحديد صعوبة او سهولة المشروعية المعطاة . ولست متأكداً انه من العدالة أن نتوقع أن ندع مقابلة مدتها  15 دقيقة  تقرر المستقبل  الدراسي أو في مستقبل العمل، الا ان هذا يحصل بالفعل  في كثير من الأحيان
الافتراض – هنا –   هو أن المقابلات الشخصية يمكن العمل بها  - عن طريق طرح الأسئلة ذات الصلة  لاستنتاج ومعرفة الصفات الشخصية لدي المرء\ن مما يؤهله لاقتفاء تخصص بعينه او العمل في عمل بذاته. غير ان الذي لاشك فيه ان التحيز الداخلي  للمَقابِل  وطبيعته وتكوينه النفسي  وقيٌمه لا بد لها ان تلقي بظلالها وتؤثر في القرار الذي يتخذه عند مقابلهة المرشح للدراسة او العمل. وعلاوة على ذلك علينا ان لا ننسى ان  هناك الآن وسائل لتدريب من هو بصدد وقوع مقابلة معه لتحقيق نتائج جيدة  في تلك المقابلات  بما في ذلك وسائل تتوفر مجاناً على الإنترنت مما يعني ان باستطاعة الشخص  استعمال ذلك التدريب "لخداع" اللجنة المقابلة له وجرها الى الاقتناع بأحقيته في ان يُختار من بين كل المرشحين. غير انني  لست بحاجة إلى التأكيد على أن القبول للدراسة في  كليات الطب البريطانية يتطلب درجات عالية في  امتحانات المستوى العالي

و كنت أتحدث بالأمس القريب  للأطباء المقيمين لدينا حول أفضل السبل لإجراء مقابلة ناجحة  والحصول على قبول ورضى لجنة المقابلة. ذكرت لهم ناصحاً عن اهمية لغة الجسد في هذا السياق  ينبغي عليك ان تلبس لباساً جيداً ومناسباً، وان لا تتحدث بصوت عال جداً او خافت جداً. ابق عيونك على اتصال بعيون اعضاء  اللجنة وتأكد من توزيع نظراتك على قدم المساواة بين جميع اعضاء اللجنة وليس فقط تجاه رئيسها (خصوصا اذا
لم يكن هو  من طرح السؤال عليك). وارجو ان تبدو مهتماً ومستمتعاً بما تقول وبما يدور حولك  ولا تبدو كشخص قد اصابه الملل وكانه يستعجل نهاية سريعة للمقابلة تلك . وأضفت "وصولك الى المقابلة متأخراً عن موعدها  يترك انطباعاً سيئاً للغاية بل يعد في مصاف جريمة  لا تغتفر ولن يعفيك القول انك ضللت الطريق لجهلك المسبق ، اذ انه من واجبك معرفة الطريق والتأكد منه مسبقاً. تأكد من أن لا تكون هناك أخطاء إملائية  في السيرة الذاتية المقدمة  لهم." "كن  مستعداً لأسئلة عن تفاصيل أي شيء ذكرته في سيرتك الذاتية. لا تكذب أو حتى تبالغ في  قدراتك ومواهبك فقد يوقعك ذلك في فخ لا يحمد عقباه . إذا كنت كتبت أن هوايتك هي الاستماع لأغاني أم كلثوم تأكد من معرفة بعض من تلك الاغاني ومن لحنها لها. اذ قد تؤسل عن ذلك في المقابل." انهيت كلامي الى المقيمين  بالقول "يجب أن تكون مستعداً للإجابة عن الأسئلة الكلاسيكية بطريقة مقنعة ومنها " لماذا اخترت هذا التخصص او العمل بالذات ؟ "، " لماذا اخترت مؤسستنا على وجه التحديد للدراسة او العمل فيها ؟" و"ماهي نقاط القوة والضعف لديك "و من المعتاد ان يكون السؤال الأخير في  المقابلة وهو "هل لديك أي أسئلة لنا قبل أن تغادر؟"

لتجنب ان اتوه عند مقابلتي  قمت باستكشاف الطريق إلى مكان المقابلة قبل الموعد المتفق عليه بيوم. أتذكر النزول في محطة شارع "جودج ستريت" ثم  عبور توتنهام كورت رود" ومنه الى  "شارع الجامعة"  حيث يوجد  مبنى  كلية الطب التابعة لكلية لندن الجامعية
الجامعات الثلاث الأخيرة بين الست في قائمه اختياراتي  ردت على طلبي بالرفض الفوري، ربما لأنهم شعروا بالإهانة كوني وضعتهم في أسفل قائمة أولوياتي او ربما لأنني كنت ببساطة لست جيداً بما فيه الكفاية ليتم عمل مقابلة معي

لم أكن راغباً  في دراسة الطب عندما كنت أدرس في كلية عدن. كنت أكثر ميلا لدراسة  الهندسة الكيميائية. ولكن بعد ان اجتزت امتحان المستوى العادي  اصرت اخواتي الست ان ادرس الطب خاصة اختي حليمه يرحمها الله. "نحن نريد أن يكون هناك طبيب في اسرتنا، ياعبد الله" كانت حليمه تكرر باستمرار. وأنا سعيد  الان انني اصغيت وتبعت نصيحة اخواتي 

لا أستطيع أن أتذكر تفاصيل المقابلة التي اُجريت لي لكنني أتذكر أنها جرت في غرفة ضيقة في الطابق الرابع من مبنى الكلية. أتذكر أيضاً أن واحداً من  اعضاء اللجنة  كان البروفيسور هاريس الذي علمني علم الوراثة البشرية بعد سنوات قليلة من تلك المقابلة
أذكر بوضوح  اللحظات الغاية في التوتر والقلق في ذروته عندما كان علي  ان افتح المغلف الذي تضمن  نتائجي في امتحانات المستوى العالي  وكنت وقتها في مكتب عدن (في بارك لين، لندن (العنوان الذي أعطيته لإرسال النتائج اليه
 ذلك اليوم كان فارقاً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى في حياتي العملية. نعم بالفعل كان كذلك.كما انني أتذكر أول يوم لي في الجامعة بشكل جيد للغاية. كان علي التسجيل في قاعة المدخل الرئيسي (يسمونها هناك بأروقة الجامعة العريقة في كلية لندن  “الجامعية في "شارع جاور
في طريقي للتسجيل تقابلت وجها لوجه مع الفيلسوف الإنجليزي الشهير جيرمي بنثام  بعد قرن من وفاته.
وجيرمي بنثام  هذا هو  وراء حشد الجهود الناجحة - في نهاية المطاف - لإنشاء كلية لندن الجامعية (و كانت تسمى عند تأسيسها جامعة لندن) كالمنارة والقلب النابض لليبرالية ومن اجل جعل التعليم الجامعي  متاحاً للمرأة واليهود الذين لم يكن يسمح لهم بإتمام دراستهم في جامعات أكسفورد و كامبريدج في ذلك الوقت. أصر جيرمي بنثام  ان اللاهوت  لن يدُرٌس في هذه الجامعة الجديدة او ان يكون لها علاقة بالكنيسة، ونتيجة “لذلك اصبح  التقليد  هو ان يشار الى طلابها  بانهم "طلاب " شارع جاور"الملاحدة.
 ترك جيرمي بنثام تعليمات واضحة في وصيته بأن يُحنٌط  جسده ويعرض في اروقه مدخل الجامعة في  صندوق زجاجي وكان له ما اراد واوصى
بعد قرن من وفاته.  وهكذا تمكنت من مقابلته وجها لوجه في أول يوم لي في الجامعة.

 قضبت العامين الأولين في كلية الطب ادرس فيها  العلوم الطبية الأساسية دون معاينة او حتى رؤية أي مريض. ويطلق على تلك الفترة  "الفترة ما قبل السريرية". وتنتهي تلك الفترة  بامتحان  حاسم الذي يسمح لك  في حال النجاح فيه بالانضمام إلى "الفترة السريرية". وتبدأ  عندها في معاينة المرضى في المشفى.
خلال تلك "الفترة ما قبل السريرية" تلقيت محاضرات من قبل ثلاثة من الحائزين على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب، البروفيسور كريك
(الذي حصل على  جائزة نوبل  في عام 1962، لدراسة بنية الحمض النووي)، البروفيسور هكسلي (الذي حصل على جائزة نوبل  في عام 1963، لدراسة  انتقال الرسائل  كهربائياً  بين الأعصاب) والبروفيسور كاتز، (الذي حصل على جائزة نوبل  في (عام 1970 لدراسة انتقال الرسائل  كيميائياٌ  بين الأعصاب
 تعلمت أيضا  على يدي اثنين من الأساتذة الآخرين اللذين  كان يجب أن يفوزا هما ايضاً بجوائز نوبل ؛ أستاذ  مسلي  للغاية ذو شعر طويل البروفيسور "ج ز" ينج ( استاذا  (التشريح  وبحوث الاعصاب) والبروفيسور وول (والد نظرية بوابة الألم 
من خبرتي مع هؤلاء العباقرة استطيع ان اقول لكم ان كون الشخص عبقرياً  لا تجعل منه بالضرورة مدرساٌ متمكناً قادراً على ايصال الرسالة المناط به ارسالها لطلبته

في مساء اليوم الذي ظهرت فيه نتائج  نهاية " الفترة قبل السريرية " ذهبت مع اثنين من أصدقائي  الطلبة الناجحين الى  مطعم هندي للاحتفال بالحدث.  يقع هذا المطعم  على بعد 200  متر غربي محطة  "جودج  ستريت " والى الجنوب مباشرة من شارع يوستن
أثناء تناول الطعام  دخل رئيس قسم الكيمياء الحيوية الاستاذ براكاش داتا.اتجه مباشرة الينا وقال "مبروك  يا فتيان. اجتزتوا  العقبة الصعبة. ستكون الامور سهلة من الآن “فصاعداً
“وقفنا  احتراماً له وهو يدنوا منا،  "شكرا لك،  يا بروفيسور
ثم  نظر الي وقال " انت  تعلم أن نتيجتك كانت مشرٌفه في امتحان الكيمياء الحيوية  “أليس كذلك ؟ 
  نعم سيدي. اشكرك "  فقد عُرضت قائمة  الناجحين مع علاماتهم بجانب اسمائهم على” الحائط عند مدخل الكلية  في صباح ذلك اليوم
 وأفترض أنك تخطط للبقاء  معنا  لدراسة الكيمياء الحيوية  واحراز البكالوريوس فيها” وتأخير الانتقال الى "الفترة السريرية" الى ان تنال  البكالوريوس " سألني الاستاذ داتا
 أود ذلك، يا سيدي، ولكن لا أستطيع  اذ أنني  على منحة من "المجلس الثقافي” “البريطاني" لدراسة الطب فقط
قال: " أنت عربي،اليس كذلك ؟ بالتأكيد ، عائلتك  تمتلك بئر للنفط  او بئرين تمكنها “من تمويل دراستك الإضافية هذه؟
"كم أود أن يكون  هذا صحيحاً، يا سيدي "
قال البروفيسور داتا  بثقة مرسومة على وجهه "حسنا، لا تقلق. سأكتب إلى المجلس الثقافي البريطاني لتمديد  منحتك الدراسية لتغطية دراسةالبكالوريوس في الكيمياء “الحيوية. وأنا متيقن من أن في امكاني إقناعهم 
وهكذا  كان. فقد اتممت دراسة الكيمياء الحيوية قبل الشروع في إنهاء الدراسات  السريرية الطبي
أشعر بأنني مدين لذلك المطعم الهندي جنوبي  "طريق يوستن"

BuiltWithNOF
[Home] [About Site] [Aden History] [College History] [Memorable  days] [Memorable1] [Memorable2] [Memorable3] [Memorable4] [Memorable 5] [Memorable 6] [Memorable 7] [Phenomenon] [AC Archives] [Photo Albums] [News] [Events] [Quotations] [Publications] [Presentations] [Feed Back] [Abroad] [Obituary] [Association] [Contact us] [Past updates]

Copyright © 2009 Aden College  webmaster

 

hitwebcounter.com